جمعيات في غزة... نصب بلباس الخير

الرسالة نت - لميس الهمص

استغل حاجة الناس، وتسلل إلى أموالهم من نافذة مساعدتهم، وجند إعاقته ليبعد الشك عما يحيكه بالخفاء.

لإعاقته وترؤسه جمعية ترعى ذوي الاحتياجات الخاصة، وتفتح أبوابها أمام المحتاجين لعمليات زراعة أجنة، كان يصعب الشك بأنه يسير في خطة "نصب".

فقراء , أيتام , عاطلون عن العمل , مرضى .. أصبحوا أرقاما في ملفات جمعيات عاملة في قطاع غزة ، ليستغلها بعضها في اختلاس الأموال والنصب على المواطنين.

وتشير إحصاءات غير رسمية إلى أن عدد الجمعيات المرخصة في قطاع غزة بلغ 900 جمعية، بينما يوجد عدد مماثل لها يعمل دون ترخيص.

"الرسالة نت " تناولت قضية الجمعيات خشية وقوع ضحايا آخرين لقضايا نصب بلباس الخير .

استغل إعاقته

في شمال غزة راج خبر بين المواطنين أن إحدى الجمعيات تساعد المواطنين في العلاج من أجل الإنجاب من خلال تسليمهم ما بين 600-700 دولار للجمعية على أن تتولى استكمال المبالغ للأطباء، بدعم من إحدى المؤسسات العربية في الخارج.

وتردد مئات المواطنين على الجمعية للاستفادة من مشروعها، الذي يخفف عن كاهلهم ما يقارب من 70% من تكلفة عملية أطفال الأنابيب الإجمالية.

ويعزو المواطنون استبعاد وقوعهم في شباك النصب لعدة أسباب، أولها أن الجمعية مرخصة من وزارة الداخلية ومن المفترض أن تكون خاضعة للرقابة، وثانيها أن رئيسها يعاني إعاقة مما يبعد الشك عنه، كما أن مشروعها شاع بين المواطنين في غزة دون أن توقف أية جهة رسمية عمل الجمعية منذ البداية.

بعد مرور أشهر على تنفيذ الجمعية لمشروع الأجنة، تفاجأ الأطباء الذين تربطهم اتفاقية تعاون مع الجمعية، بالاعتذار للمواطنين عن إتمام عمليات الزراعة، نظرا لتخلف الجمعية عن تسديد المبالغ المستحقة، الأمر الذي دفع مئات المواطنين للمطالبة بأموالهم لكن دون جدوى.

وعلمت "الرسالة" أن رئيس الجمعية موقوف لدى جهاز المباحث العامة، ولا زال قيد التحقيق، بعد تلقيهم شكاوى من المواطنين المطالبين باسترداد أموالهم.

وتشير المعلومات الأولية إلى أن الجمعية متورطة بجمع مئات آلاف الدولارات من المواطنين، ولم تنفذ سوى عمليات زراعة أجنة محدودة، فيما لا يزال مصير الأموال مجهولا.

ولمعرفة مصير القضية السابقة, قابلت "الرسالة" ثروت البيك -مدير عام الإدارة العامة للشؤون العامة في وزارة الداخلية- وقال: تسجيل الجمعيات بات سهلا على عكس السابق الذي كان يخضع لقضايا أمنية، فأية مجموعة تود تأسيس جمعية عليها تعبئة النماذج الخاصة على موقع الداخلية الإلكتروني أو من خلال زيارة الإدارة .

وأضاف: المستشار القانوني يدرس الطلب ثم يرسله للإدارة العامة المركزية لمخاطبة الوزارة المختصة التي تبنى عليها أهداف الجمعية سواء كانت صحية أو اجتماعية أو غيرها ، فترد بالموافقة على الأهداف أو الرفض أو طلب التعديل كونها الجهة التي ستتابع الجمعية.

وعن قضية النصب التي تعرض لها المواطنون قال مدير الإدارة العامة: "منذ البداية دققنا على الجمعية ، وعند وصول أنباء بخلل فيها حولنا أوراقها للنيابة العامة فورا".ونفى البيك أي تقصير من جانب وزارة الداخلية في القضية ، لافتا الى أنهم تواصلوا منذ البداية مع مراكز الإخصاب والتي بدورها أكدت أنها تحصل على أموالها من الجمعية بالكامل بالرغم من أن المراكز لم تكن قد استلمت كل الأموال .

وذكر أن الموضوع كان فقط في إطار الشبهة, والقضية حولت للنيابة حتى بدأت مراكز الإخصاب تشتكي من وقف تسلمها للأموال, عندها أغلقت المؤسسة ولوحق مديرها، موضحا أن مديرها استغل إعاقته كون إجراءات توقيف المعاقين تختلف عن غيرهم, لكن الوزارة تسعى لحل القضية بأسرع وقت ممكن.

بدورها قالت النيابة العامة على لسان إيهاب الدريوي رئيس نيابة الجمعيات الخيرية والمؤسسات إن القضية لها خصوصية,  فالداخلية تكتشف الخلل عبر التفتيش أو بناء على معلومات تصلها بهذا الشأن.

وأضاف الدريوي: المعلومات التي وصلت كانت عن إشكاليات ولم تتحدث عن قضية نصب بسبب تجنب المواطنين تقديم شكاوى رغبة منهم في الاستفادة من المشروع.

ولفت إلى أن قضية النصب اكتشفت من خلال تحقيقات النيابة لازالت مستمرة, وبدأ المواطنون بتقديم الشكاوى التي بلغت العشرات.

وتابع الدريوي : عندما قويت الأدلة ألقي القبض على المتهم والمشتركين في القضية .

التجاوزات قلت

وتعد المشاريع التي تنفذها الجمعيات الخيرية مجالا واسعا للاختلاس والتلاعب, فالمواطن الذي فضل ترميز اسمه (ع.م) ويعمل في احدى الجمعيات ويرى تلك العمليات بعينه قال "للرسالة": تلجأ الجمعيات إلى فرض توقيع الموظفين والمنشطين على عقود برواتب مرتفعة بينما يتقاضون في واقع الأمر نصفها لحاجتهم للعمل, لذلك تقدر الاختلاسات بآلاف الدولارات.

ولفت إلى استغلال حاجة العاطلين عن العمل, فقد يوقع المنشط على عقد ب 600 دولار بينما لا يحصل سوى على 300 بإقناعه أن باقي المبلغ عبارة عن مصروفات لازمة للمشروع .

ويشير (ع.م) الى أن التلاعب يطال أيضا مدربي الدورات, فتتفق الجمعية معهم على مبلغ ثلاثين دولارا مقابل الساعة, بينما هي في واقع الأمر تعرف أن المدرب سيحصل على مائة دولار.

وأكد أن كثيرا من التلاعب يجريه مدير الجمعية بالاتفاق مع مجلس الإدارة في كثير من القضايا التي لا تستطيع الرقابة كشفها.

وبحسب البيك فإن دور إدارته في الرقابة قائم على أمرين أحدهما التفتيش الميداني على الجمعية بوجود مقر وترخيص ولوحة واضحة تظهر فيها أرقام الجمعية، بالإضافة إلى وجود سجلات رسمية ومحاضر لمجلس الإدارة وغيرها من الأمور المطلوبة قانونيا .

وأوضح أن مهمة إدارته الثانية تدقيق الحسابات والإطلاع على الفواتير والدورات المستندية ، واخذ عينات من المستفيدين للتأكد من نزاهة الجمعية وعدم تلاعبها في المواصفات للخدمات المقدمة لهم .

الإدارة العامة في الداخلية ترفع ملاحظتها للجمعية للرد على المخالفات بعد انتهاء التدقيق، فإذا كانت المخالفات بسيطة تصوب، وفي حال كانت المخالفات جوهرية وتتضمن سرقات يحول ملف الجمعية إلى النيابة للتحقيق.

ويرى البيك أن دور إدارته إرشاد وتوجيه الجمعيات لسبل العمل الدقيق حسب القانون ، مشيرا إلى أنهم يجرون العديد من الدورات وورش العمل بهدف التوعية والإرشاد.

وأقر بوجود مشكلة لدى إدارته في كشف مصادر التمويل والحركة المالية بسبب سلطة النقد، معتبرا أنها تساعد في الفساد لإرسالها تعميما للبنوك بتحاشي التعامل مع الداخلية .

ولفت البيك إلى أنهم يواجهون مشكلات في فتح الحسابات الجارية التي كان يسهل مراقبة حركة الأموال بها ، موضحا أن الأموال تجلب بطرق متعددة كالحوالات السريعة وغيرها من الطرق التي تصعب مراقبتها .

اختلاسات عدة كشفت عنها الدائرة ، فحولت ما يقارب خمسين ملفا للنيابة العامة, من بينها قضية اختلاس في مؤسسة أجنبية تقدر بستة ملايين شيكل، كما تواجه العديد من التجاوزات في عمليات توريد الاحتياجات والتوظيف في الجمعية .

وأشار إلى تواصل وزارته مع بعض المؤسسات الأجنبية المانحة للتأكد من الدعم ،إلا أن بعضها الآخر يرفض التعامل مع الحكومة ما يجعلها مشاركة في الفساد.

وذكر مدير عام الادارة العامة للشئون العامة أن إغلاق الجمعيات لا يقع إلا إذا صدر بحق المؤسسة انتظار بالحل مدته ثلاثة شهور يوقع عليه أحد أعضاء مجلس الإدارة ، موضحا أنه في حالة انعدام تصويب أوضاع الجمعية خلال المدة المقررة يصدر وزير الداخلية قرارا بإغلاق الجمعية .

وبحسب القانون فإن مسببات الانتظار تتمثل في تحاشي التجديد لمجلس الإدارة، أو انتخاب مجلس جديد، أو عدم تقديم الجمعية لتقاريرها المالية والإدارية ، بالإضافة للمخالفات الأخلاقية أو مخالفة أهداف الجمعية المنشأة من أجلها .

وحول عدد الجمعيات التي أغلقتها الوزارة قال :الأعداد تتفاوت من عام لآخر إلا انها قلت بشكل ملحوظ بسبب المراقبة والمتابعة من الداخلية ، مؤكدا أنهم حلوا أكثر من 200 جمعية في بداية تسلمهم مهامهم بسبب حالة الفوضى السابقة .

واستبعد البيك وجود تشديد وتضييق على الجمعيات بسبب الرقابة الزائدة ، مشيرا الى أنه على الرغم من التشديد إلا أن هناك اختلاسات وسرقات لازالت تحدث، موضحا أن غياب الرقابة سيجعل المال العام متروكا للنهب والاستغلال.

اختلاسات بالملايين

من جهته ذكر الرائد م. رائد البردويل مدير مباحث المؤسسات أن هناك لجنة خاصة لمراقبة التجاوزات في الجمعيات وتنظيم عملها ليكون شفافا وبأوراق رسمية واضحة وسليمة .

وبين أن هدفهم الأساسي منع الجمعيات غير المرخصة من العمل، وفي حال وجود شكوى تتابعها المباحث وتحقق فيها، مبينا أنهم يجرون حملات تفتيش مفاجئة على الجمعيات لطلب الأوراق الرسمية ومتابعة الشق المالي وسندات القبض والصادر والوارد .

ولفت إلى أنهم يبحثون في وضع الجمعيات الأجنبية وأهدافها كون بعضها يحمل أهدافا تبشيرية وغزوا فكريا، تتابع بوقف نشاطها أو تحويله للمجال الخدماتي وفي حال رفضها توقف الجمعية .

وبين أن بعض الاختلاسات وصلت لأكثر من 2 مليون دولار في جمعيات أجنبية ، ضحيتها دائما المواطن الذي يصل الدعم لخدمته .

من جانبه  أكد الدكتور نافذ المدهون المستشار القانوني في المجلس التشريعي أن التوجه لدى التشريعي منذ العام 2000م كان بفرض قانون يمنح المؤسسات والجمعيات الأهلية استقلالية وحرية في العمل ، مستدركا: إلا أن بعض الجمعيات استغلت مساحة الحرية  الممنوحة في ممارسات خارجة عن القانون.

ولفت إلى أن العديد من الجمعيات الخيرية تهدف لتحقيق أرباح, في حين أن ذلك مخالف للقانون كونها مؤسسات غير ربحية ، مشيرا إلى أن بعض الجمعيات الخيرية تحولت لقطاع خاص لبعض العائلات والأسر .

وانتقد المدهون احتكار أشخاص محددين للعمل الخيري في قطاع غزة هم ذاتهم تكرروا في عدة مجالس إدارية لجمعيات مختلفة، مطالبا بمراجعة تلك القضية .ولفت الى أن اقرار النظام المالي الموحد مهم كونه يفرض آليات التعامل المالي ، مشيرا إلى أن العديد من التجاوزات كان بسبب غياب ذلك الإقرار .

وبين أن القانون لا يعفي الجمعيات من الضرائب المضافة بل من الضريبة الجمركية ، موضحا أن كثيرا من الجمعيات استغل الإعفاء الجمركي لمصالح شخصية ، ذاكرا أن بعض الأشخاص في الجمعيات استغلوا الإعفاء بشراء سيارات من غير جمرك مدعين أنها للجمعية وبعد ذلك باعوها بسعر السوق المحلي .

تصل لمخالفات أخلاقية

وفي مخالفات أخلاقية نقلتها النيابة العامة "للرسالة" ذكرت أن غالبية هذه المخالفات تقع في المؤسسات المختلطة بدءا بالتحرش الجنسي والمعاكسات وصولا لدرجة المواقعات غير المشروعة.

وأوضحت النيابة أن العديد من القضايا تستغل فيها الفتاة بحجة تجديد عقد العمل لها أو منحها راتبا أعلى وبعضها يكون بالتراضي ، مبينا أن بعض المؤسسات ضبطت بها مواد إباحية داخل أجهزة الحاسوب ، مشددين على أن أية مؤسسة تغلق يجب العلم أن مقرها كان مكانا للجريمة.

إيهاب الدريوي رئيس نيابة الجمعيات الخيرية والمؤسسات ذكر أن هناك لجنة عليا خاصة بالمؤسسات والجمعيات مكونة من وزارة الداخلية، و دائرة أمن الجمعيات والمؤسسات بالشرطة ، والنيابة العامة ، إضافة إلى دائرة امن المؤسسات الأجنبية .

وبين أن اللجنة تجتمع  كل أسبوعين لمتابعة أوضاع الجمعيات والمخالفات الناتجة عنها ، مشيرا إلى أن دور النيابة يأتي بعد تقديم شكوى من الداخلية حين استمرار الجمعية في المخالفات وعدم تصويبها في الفترة المحددة كونها الجهة المخولة بالمراقبة ، لافتا إلى أنه خلال التحقيق يتم استدعاء الشهود والأطراف المعنية واتخاذ المقتضى بحقهم حسب القانون.

وحول إذا ما كانت بعض الجمعيات تستغل الإجراءات الطويلة في محاسبتها لمزيد من النصب على المواطنين قال الدريوي: النيابة تنظر بعين المشتكي والمشكو عليه، فالوقت ليس سيفا مسلطا على رقبة جهات التحقيق والمشكو ضده وليس سببا لتضييع حقوق المشتكين لكن العدالة الجنائية تفترض التوازن في الإجراءات.

ويتابع: بمجرد تحويل الملف للنيابة فإن الوزارة والنيابة تحركانه وتتابعانه يوميا وهذا لا يعطي للمشتكى عليه مجالات للاستمرار في المخالفات كون الداخلية تراقبه، مشددا على أن التدقيق المالي والإداري صعب ويحتاج لوقت.

وبحسب رئيس النيابة فإن الملفات تنجز في غضون أسبوعين وتحال الملفات للمحكمة ويتضح ذلك من حجم الملفات المنجزة، مبينا أن دائرته أنشأت في فبراير من العام الماضي لتختص بقضايا الجمعيات التي كانت تتوه بين القضايا من كثرتها ولأنها معقدة وتحتاج لتعامل خاص.

وأشار إلى أن الداخلية في السابق كانت تترك الحبل على الغارب داخل الجمعيات دون محاسبة او رقابة مما جعل عددا كبيرا منها ينشأ لغرض النصب والاحتيال ، مبينا أن التشديد الحالي يزعج بعض الجمعيات كونها لم تكن معتادة عليه .

وبحسب الدريوي فإن 95% من الملفات تم انجازها إلا ان بعضها يحتاج لوقت لكونها مرتبطة بجهات متعددة و بالمصلحة العامة .

من ناحيته ذكر مدير ائتلاف الجمعيات الخيرية بغزة ناصر برهوم: إن ائتلافه يضم مائة وخمسين جمعية خيرية في مجالات مختلفة ، مبينا أن الائتلاف يضم دائرة رقابية على الجمعيات التابعة له لمراقبة مصادر التمويل والصرف .

وأشار إلى أنهم يكفلون 40 ألف يتيم في القطاع أيا كان سبب وفاة الوالد ، مطالبا بتفعيل قانون الجمعيات الخيرية القاضي باسترجاع قيمة الضريبة المضافة .

وبيّن أن وزارة الداخلية تتعاون مع الجمعيات بإقامة ورشات عمل توجيهية مما يشكل تكاملا في الدور بين الطرفين .وإن كان للجمعيات الخيرية دور كبير في مساعدة العائلات المستورة والعاطلين عن العمل ،إلا أن بعضها استغل قضية الشعب الفلسطيني وتاجر بتضحياته لمصالحه الشخصية.