غزة-كمال عليان
يعترف الجميع، الخصوم قبل الحلفاء والأصدقاء بأن رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية قائد يتمتع بما لا يتمتع به معظم القادة الآخرين من صفات. وأولى هذه الصفات وأهمها التواضع واللطف في المعاملة وحسن الخلق والمنطق والتهذيب، وهدوء الشخصية والشفافية والنزاهة وصلابة الموقف عندما يتعلق الأمر بالقضايا الوطنية والمبدئية. وهو في نفس الوقت قيادي واقعي وبراغماتي، عندما تتطلب المصلحة الوطنية الواقعية والبراغماتية، وصلب لا يساوم على مبدأ او قناعة عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق المقاومة. يضاف الى ذلك فهو قيادي شعبي، ويوصف برجل الشارع ومستمع من الطراز الأول..
وجاء تولي هنية (48 عاما) منصب رئيس وزراء الحكومة الفلسطينية في 25 يناير 2006، بعد أن اكتسحت كتلة التغيير والاصلاح نتائج الانتخابات التشريعية.
وكلمة "كاريزما" يونانية الأصل معناها النعمة الإلهية, ويقصد بها السمة التي تتميز بها شخصية وتجعلها مؤثرة وتملك سلطة غير طبيعية على الناس، وفي علم الاجتماع يشير هذا المصطلح إلى مجموعة من الصفات تتحقق عند الذين يملكون قوة القيادة ويمارسونها بصورة خارقة للعادة.
**قائدا متواضعا
الأمر الذي لا خلاف عليه بين كل الذين احتكوا بـ"هنية" – سواء كانوا أعضاء في طاقم العمل معه، أو من الذين ينتمون إلى حركته، أو حتى من خصومه السياسيين– أن الرجل يتميز بتواضع جم وأخلاق عالية.
والذي يدخل ديوان "هنية"، وتحديداً الطابق الثالث في المكتب، يلمس الشعور بالرضى لدى طاقم الشباب الذي يعمل مع "هنية"، لدى دخوله وخروجه من غرفته يتبادل الدعابات اللطيفة مع الشباب الذين يعملون في الغرف المجاورة لغرفته.
الدكتور أحمد يوسف المستشار السياسي السابق لرئيس الوزراء يقول أنه وخلال فترة عمله مع "هنية"، وجد فيه قائداً متواضعاً، ومحبا للعاملين معه، يؤمن بالتكامل بين طاقم العمل في الديوان.
ويضيف لـ"الرسالة": "إذا نصحته يقبل النصيحة، وإذا وجهت له نقداً يتقبل النقد بصدر رحب.. يحرص على استشارة كل من يرى أنه قادر على تقديم النصح والمشورة".
ويشدد "يوسف" على أن "هنية" لا يحاول دائماً فرض رأيه، منوهاً إلى أنه حضر عدة لقاءات لفرز مرشحين لتولي مناصب كبيرة في الحكومة ومؤسساتها، حيث لم يحاول "هنية" فرض المرشحين الذين اقترحهم، بل تنازل عن معظم هؤلاء المرشحين عندما اطلع على قائمة المرشحين الأخرى.
وأشار إلى أن أكثر ما يميز "هنية" هو ميله لتيسير العمل على من معه، مبينا أنه دائماً ما كان يبدي مرونة في الحوار الداخلي؛ من أجل التوافق مع الفصائل الفلسطينية الأخرى ولتعزيز الوحدة الوطنية.
ويضيف "يوسف": "قد يبدو هنية أحياناً كحمل وديع، لكنه يتحول إلى أسد هصور، إذا ما شعر أن خطراً يهدد المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني".
**يحترم شيوخه ومعلميه
ويتفق د. عطا الله أبو السبح وزير الأسرى والمحررين الذي لا تزال صورته وهو يجلس بجانب رئيس الوزراء على قارعة الطريق في معبر رفح في ألبوم صوره التي يحتفظ بها، مع كل ما قاله "يوسف" مضيفاً أن: "أكثر ما يميز "هنية"، هو التواضع الجم والأدب الرفيع والأخلاق العالية والترفع عن صغائر الأمور، والاستقامة وطيب المعاملة، وقدرته الفائقة على الاتصال بالآخرين وبناء جسور تواصل معهم.
ويضيف أبو السبح لـ"الرسالة" :" هو لم ينس أنه لاجئ وظل ساكنا في مخيم اللاجئين ولم ينس مشايخه ومعلميه فعندما يدخل عليه أحد مشايخه أمثال عبد الفتاح دخان أو الشيخ أبو محمد شمعة -رحمه الله- كان يقوم من مكانه ويقبل رأسهم ويجلسهم مكانه وهو رئيس الوزراء".
ويشير إلى لفتة أخرى أثارت انتباهه خلال اجتماع مجلس الوزراء فيقول: عندما يريد هنية أن يكتب ورقة لأحد الوزراء يدونها ويقوم بنفسه بإيصالها إلى الوزير ولا يدعو المراسل لإيصال هذه الورقة رغم أنه هو من يرأس الجلسة.
بُعد آخر يجعل د. أبو السبح دائما يكن احتراماً كبيراً لشخص "هنية" وهو مواقفه الوطنية، وتحمله أعباء أخطر قضية في الوطن العربي "القضية الفلسطينية"، مبينا أن الشخص وبمجرد أن يجلس معه لا يمكنه إلا أن يشعر بالاحترام.
**بيته متواضع
وأما الصحفية فداء المدهون فتعلّق حول زيارتها لبيت "هنية" بمخيم الشاطئ بقولها: ربما كانت المصادفة هي التي أدخلتني منزل رئيس الوزراء، حين دعتني مجموعة من الصحفيات للذهاب إلى منزله لتهنئته بالعيد، وافقت بعد تردد فأعلم أن المكان لاشك مزدحم بالمهنئين وهذا ما حدث بالفعل، الأمر الذي اضطرنا إلى الذهاب إلى منزله لإلقاء التحية على زوجته وأهل بيته".
وتضيف الصحفية المدهون في تعليق لها على أحد المواقع الالكترونية :" الذي لا يمكن أن يتخيله القارئ هو بساطة، وسعة صدرهم، في استقبالنا وعند الدخول لا أخفيكم مدى الصدمة التي تلقيتها عند رؤية منزل هنية من الداخل، جلسنا على فراش أرضي بسيط نتحدث مع أهل بيته بعد أن قدموا لنا عصير الخروب".
وتتابع :" أثار هذا المشهد ذاكرتي التي تاهت بمنزل الرئيس أبو مازن والذي تعبت من المسير به والتنقل بين غرفة مع مفارقة أنه منزل مهجور لا يسكنه الرئيس، أما منزل هنية فيسكنه أبناؤه حتى المتزوجين.
**تذكرت فيه "الخطاب"!
ويحظى هنية بشعبية كبيرة في أوساط حماس والشعب الفلسطيني، حيث يشتهر بهدوئه ومواقفه المحسوبة جيداً وتأكيده الدائم على الوحدة الفلسطينية، كما يحظى بعلاقات قوية مع جيرانه في المخيم سواء كانوا كبارا أو صغارا.
الحاج أبو حمزة المقيد من سكان مخيم الشاطئ قال :"منذ ان رأيت هذا الرجل قبل فترة الانتخابات بأيام و راقبت لقاءاته عبر الجزيرة قلت وقتها ان هذا الرجل يحمل الكثير، واستمعت الي اجاباته المدروسة وكلماته الرائعة ودقه معلوماته علمت ساعتها لماذا اختارته حماس الرجل الاول في قائمتها، ارتحت لرزانه هذا الرجل وثقته بنفسه، سألت بعض من كان بجواري فأجابوني انه اسماعيل هنية، لسان حماس الطيب".
ويضيف أبو حمزة لـ"الرسالة" :" البعض قال لي انني اتذكر فيه عمر بن الخطاب، واخرون تعلقوا بكلماته الرنانة، كان له تأثير كبير في قلوب الكثيرين ومنهم ابناء فتح نفسها، سألت كثيرا ما هي الكاريزما التي يمتلكها هنية كي يستقطب قلوب الكثيرين؟".
وأشار المقيد إلى أنه راقب خطابات "هنية" بدقة، وتمعن في كلماته، وثقته بنفسه العالية، الأمر الذي جعله يعلم ان هذا الرجل-هنية- يمتلك من الخصائص ما أهلته ان يكتسب محبة الشعب.
وتذكر الحاج أبو حمزة موقفا صار معه يوم أن زار منزل رئيس الوزراء هنية ايام الاعياد، ويقول: عندما كانت الزيارات مسموحة لكافة ابناء الشعب، اصطحبت معي ابنائي، قام بتقبيل ايديهم، ذكرت له اسماءهم، ولكن الغريب انه تذكرهم في زيارة العيد التالي، علمت انه يتفنن في اجتذاب قلوب الناس ، حتي عندما نمر بطريق بيته ينادي الاولاد لحرسه (سلموا علي ابو العبد) فسألت نفسي هل الاطفال ايضا يحبونه"!!.
**"هنية" وإدارة الأزمات
ومنذ تولي إسماعيل هنية رئاسة الحكومة الفلسطينية واجهته عدة عقبات عاصفة، أهمها الحصار الذي فُرض على الشعب الفلسطيني، والذي اعتبر بمثابة عقاب ظالم على اختيار الشعب لمن رآه أفضل من يمثله ويسعى للحفاظ على كيانه في مواجهة الاحتلال الصهيونية.
وترى الصحف (الإسرائيلية) أن سياسة "هنية" في إدارة الأزمات في البلاد قد تميزت بالمرونة والذكاء، "حيث دخل في حوار مع رئيس السلطة "محمود عباس" لتشكيل حكومة وحدة وطنية، معرباً عن استعداده للتنازل عن رئاسة الحكومة من أجل الاسراع برفع الحصار المفروض على الفلسطينيين".
وبعد أكثر من خمسة أعوام من رئاسته للحكومة الفلسطينية في غزة، وفي ظل الخلاف القائم بين حركتي حماس وفتح حول تسمية رئيس الوزراء القادم، يرى الشعب الفلسطيني بكل أطيافه السياسية أنه من الصعب أن يملأ أحد آخر مكان "هنية"، رغم أنه يكرر دائما "مستعد للتنازل عن رئاسة الوزراء مقابل المصالحة الفلسطينية".