لأول وهلة بدا من المستهجن أن يتراجع رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو بشكل مفاجئ عن قراره السابق بحل البرلمان وتبكير موعد إجراء الانتخابات التشريعية، وإقدامه –بدلاً من ذلك- على تشكيل حكومة "وحدة وطنية" بضم حزب "كاديما"، الذي يمثل حزب المعارضة الرئيس في البرلمان. فقد أكدت جميع استطلاعات الرأي العام التي أجريت مؤخراً في (إسرائيل) بشكل لا يقبل التأويل أن حزب الليكود الذي يرأسه نتنياهو سيكون الفائز الأكبر في هذه الانتخابات، إذ توقعت هذه الاستطلاعات أن يحصل الليكود على ضعف عدد المقاعد التي سيحصل عليها الحزب الذي يليه.
لقد قيل الكثير عن العوامل الداخلية التي أملت تشكيل حكومة "الوحدة" على كل من نتنياهو وموفاز. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما تأثير العامل الاقتصادي في الدفع نحو هذه الخطوة؟ وما حجم إسهام انضمام موفاز في تسريع وإبطاء التوجه (الإسرائيلي) لضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وكيف سيؤثر على مستقبل التسوية بين (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية؟
العامل الاقتصادي
لقد لعب العامل الاقتصادي دوراً مهماً في إغراء نتنياهو بتشكيل حكومة الوحدة والتراجع عن فكرة تبكير موعد الانتخابات. فمن المعروف أنه قد كان من المقرر أن يتم المصادقة على مشروع موازنة (إسرائيل) للعام 2013 في أغسطس القادم. وقد كان من الواضح أنه في حال تبكير الانتخابات، فإن نتنياهو سيكون مضطراً لتقديم مشروع موازنة " شعبي " يسهم في توسيع شعبيته، بحيث يتضمن تقليص الضرائب والتوسع في تقديم المخصصات للطبقات الفقيرة وغيرها من الإجراءات.
"لعب العامل الاقتصادي دوراً مهماً في إغراء نتنياهو بتشكيل حكومة الوحدة والتراجع عن فكرة تبكير موعد الانتخابات
"
ومن الواضح أنه في ظل الأزمة التي يعاني منها الاقتصاد العالمي والتي أثرت على الاقتصاد (الإسرائيلي)، فإن هذه الإجراءات ستؤدي إلى التضخم المالي وتقلص من مستوى النمو. لكن مع تشكيل حكومة الوحدة وتراجع موعد الانتخابات، فإنه لم يعد هناك سبب يحث نتنياهو على تضمين مشروع الموازنة " رشاوى " انتخابية للجمهور. وقد عبر ذلك وزير المالية يوفال شطاينتس الذي قال أن تشكيل حكومة الوحدة سيساعده على تمرير موازنة "قاسية".
الملف الإيراني
يستدل من خلال التحذيرات التي أطلقها مؤخراً يوفال ديسكين الرئيس السابق لجهاز المخابرات الداخلية " الشاباك " ، ومئير دغان الرئيس السابق لجهاز الموساد بشكل واضح أن نتنياهو يرى في القضاء على البرنامج النووي الإيراني هدف حياته الأسمى. ويستشف من أحاديث ديسكين ودغان، أن الذي أحبط مخطط نتنياهو لضرب المشروع النووي الإيراني هو التحفظات التي أبداها قادة الأجهزة الأمنية على توجهه هذا، بالإضافة إلى أن نتنياهو يؤمن أن الخروج لعملية ذات بعد استراتيجي على هذا النحو يتطلب وجود حكومة عريضة. من هنا، فإن تشكيل حكومة "الوحدة" يسهم في توفير البيئة التي تساعد نتنياهو في اتخاذ قرار بضرب إيران، وذلك للأسباب التالية:
1- ينطلق نتنياهو من افتراض مفاده أن وجود موفاز إلى جانبه في الحكومة سيقلص من مستوى معارضة المؤسسة الأمنية لفكرة توجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية، سيما رئيس هيئة أركان الجيش بني غانز، الذي لا يمكن شن أي عمل عسكري كبير بدون موافقته. ففي (إسرائيل) هناك إجماع على أن موفاز يحظى بتأثير كبير على غانز. فغانز مدين لموفاز بوصوله إلى قمة الهرم القيادي العسكري، لأن موفاز كرئيس أركان وكوزير سابق للدفاع حرص على ترقيته بشكل خاص، وتحمل في سبيل ذلك الكثير من الانتقادات.
"حكومة (إسرائيلية) تستند إلى قاعدة برلمانية عريضة تكون قادرة على شن عمل عسكري بحجم مهاجمة إيران، في ظل أقل قدر من المعارضة الداخلية
"
2- إن حكومة (إسرائيلية) تستند إلى قاعدة برلمانية عريضة تكون قادرة على شن عمل عسكري بحجم مهاجمة إيران، في ظل أقل قدر من المعارضة الداخلية.
3- حكومة (إسرائيلية) ذات تأييد برلماني كبير بإمكانها أن تمارس بشكل أفضل ضغوطاً على إدارة أوباما لفرض عقوبات على إيران تضمن إجبارها على وقف برنامجها النووي، أو تساندها في توجيه ضربة عسكرية استباقية في حال فشل المسار السياسي والعقوبات في وقف البرنامج الإيراني. وحسب ما كشف النقاب عنه في (إسرائيل)، فإن حكومة نتنياهو حددت الأول من تموز/يوليو القادم، كموعد لنهاية الجهود الدبلوماسية الهادفة لإقناع إيران بوقف برنامجها النووي، بحيث إن (إسرائيل) تكون بعد هذا الموعد في حل من أمرها. ومما لا خلاف حوله أن أوباما الذي سيكون في ذروة حملته الانتخابية سيضطر لتأييد (إسرائيل) في حال قامت بضرب إيران، على اعتبار أن مثل هذه الخطوة تضمن له عدم وقوف المنظمات اليهودية ضده.
التسوية مع السلطة الفلسطينية
لن يسهم انضمام كاديما للحكومة في إحداث أي تغيير على طابع التعاطي (الإسرائيلي) مع الجهود التي تبذل لحل الصراع مع الشعب الفلسطيني. فبعيد انضمامه للحكومة سارع موفاز إلى تحميل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس المسؤولية عن الجمود الذي وصلت إليه عملية التسوية. ليس هذا فحسب، بل أن موفاز عرض على نتنياهو " صيغ إبداعية " تساعد في إضفاء شرعية على قيام المستوطنين اليهود بالاستيلاء على أراضي فلسطينية خاصة، وذلك عبر سن قانون يحول دون تدخل المحكمة (الإسرائيلية) العليا في بحث هذه القضايا. ليس وفي الوقت نفسه سارع نواب من "كاديما" بعيد تشكيل حكومة "الوحدة" بتقديم اقتراحات تطالب بإقامة المزيد من " المدن الاستيطانية " في الضفة الغربية، والتي تضمن استيعاب عشرات الآلاف من المستوطنين.
لقد أسهمت العوامل الداخلية بشكل أساسي في توفير الظروف لولادة حكومة " الوحدة الوطنية " في (إسرائيل)، لكن في الوقت نفسه، فإن تشكيل هذه الحكومة سيلعب دوراً مهماً في مساعدة نتنياهو على تحقيق أهدافه، على صعيد مواجهة ما يعتبره " المخاطر الوجودية "، سيما الملف النووي الإيراني.