"المسحراتي".. مهنة تراثية لا تندثر

مسحراتي رمضان - ارشيف
مسحراتي رمضان - ارشيف

رفح- الرسالة نت

يحرص صلاح حسين وثلاثة من أقرانه كل ليلة على قرع الطبول في شوارع وأزقة مخيم رفح من أجل إيقاظ السكان لتناول طعام السحور خلال الشهر الكريم.

وينتقل من حارة لحارة وهو يردد بصوته الجهور "اصحي يا نيم وحد الدايم .. قوموا إلى السحور يرحمكم الرب الغفور".

وهذا الشاب في العقد الثاني من العمر اعتاد على مرافقة مسحراتي رفح الذي وافته المنية قبل عامين وكان شغوفاً بهذا العمل الذي يقول إنه يكسبه الأجر والثواب.

ويتولى المسحراتي في العرف والتقاليد الدينية تنبيه الصائمين يومياً لضرورة الاستيقاظ من النوم من أجل تناول وجبة السحور وأداء صلاة الفجر قبل طلوع شمس نهار الصيام.

ورغم أنها مهنة موسمية تعود لمئات السنين فإن المسحراتي ما يزال يحظى بمكانة خاصة لدى سكان قطاع غزة خاصة الأطفال.

ويعمل حسين مسحراتي منذ عامين فقط بعد وفاة أبو عماد مسحراتي رفح المسن. ويداعب الأطفال في الشوارع أحياناً من خلال قرع الطبلة بشكل بهلواني. 

وبدأ هذا الشاب وأقرانه يكسبان ود الناس في الأحياء التي يقصدونها كل ليلة. 

وخلال هذا العام يسهر السكان حتى السحور لأن شهر رمضان حل في فصل الصيف إذ يصوم الفلسطينيون ستة عشر ساعة يومياً.

واشتهر المسحراتي لدى المسلمين منذ القدم باعتباره الوسيلة الوحيدة لإيقاظ الناس بسبب عدم وجود ساعات تنبيه أو مكبرات صوت في المساجد لإيقاظهم إلى السحور. 

يقول حسين لـ"الرسالة نت" "أشعر بأني أقوم بعمل الخير في هذا الشهر المقدس وأنا حقا استمتع بمشاهدة الناس وهم سعداء من خلال إيقاظهم".

وغالباً ما يصادف حسين الأسر وهي ترقد أمام منزلها هرباً من الحر وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر.  

ويقدم السكان أحياناً الشاي للمسحراتي الشاب وأقرانه وبعضهم يدعوهم لتناول طعام السحور معهم.

ورغم أن المسحراتي حسين يصطدم بالناس أمام منازلهم لكنة يوصل قرع الطبلة لإيقاظ النائمين الآخرين بحسب ما يقول.

وأحياناً يجلس حسين مع أقرانه على قارعة الطريق ويتناول الطعام قبل دقائق من أذان الفجر. وغالباً ما يكون الطعام مقدم من سكان في الحارات التي يوقظونها كل ليلة. 

وعند انتهاء شهر رمضان يقوم المسحراتي بجمع المال من السكان في الأحياء التي كان يقوم بالتجول بها مقابل خدمة إيقاظهم قبل الصيام في شهر رمضان.

وكان المسحراتي في السابق يصنف على أنه متطوع لفعل الخير ويقوم بهذا العمل إرضاء لله وللدين وطمعاً في كسب حسنات هذا الشهر الفضيل، إلا أن ضيق الحال والبطالة وقلة العمل جعلت من هؤلاء يوافقون على تلقي مساعدات بسيطة من سكان الحارات التي يتخصص بتسحير سكانها.

وظهرت مهنة المسحراتي في عصر الدولة العباسية خلال عهد الخليفة المنتصر بالله.

ويذكر المؤرخون أن المسحراتي ظهر إلى الوجود عندما لاحظ والي مصر "عتبة بن إسحاق" عام 238 هـ، أن الناس لا ينتبهون إلى وقت السحور، ولا يوجد من يقوم بهذه المهمة آنذاك؛ فتطوع هو بنفسه فكان يطوف شوارع القاهرة ليلا لإيقاظ أهلها وقت السحر.