مازال يمثل السفر من قطاع غزة نحو مصر ومن ثم الانتقال إلى العالم الخارجي أو العكس، هاجسا بالنسبة للفلسطينيين الذين يصطدمون بالعراقيل الامنية المصرية بين الحين والآخر.
وحاولت وسائل الإعلام أن تصنع هالة حول القرار المصري بإلغاء وقف ترحيل الفلسطينيين القادمين إلى غزة عبر المطارات المصرية، الا ان ثمة تصريح صادر عن محافل رسمية مصرية نفت صحة القرار وآخرون رهنوا تنفيذه بتوفر شروط وضوابط.
وعدم تحسين إجراءات السفر أمام الفلسطينيين بالشكل الامثل يصيبهم بالإحباط، وبخاصة أنهم عولوا كثيرا على نجاح مرشح ثورة 25 يناير محمد مرسي بتولي منصب رئيس الجمهورية قبل نحو شهر تقريبا.
وفي الوقت الذي نفى فيه مصدر مسؤول بجوازات مطار القاهرة الدولي صحة ما تردد حول تعديل اجراءات دخول الفلسطينيين والغاء مأموريات الترحيل من وإلى مصر، صرح السفير المصري لدى السلطة ياسر عثمان بوقف الترحيل، مؤكدا أن هذا القرار لا يعني إلغاء كل القواعد المنظمة للمرور عبر المنافذ المصرية بالنسبة للفلسطينيين.
وأضاف عثمان أن وقف ترحيل الفلسطينيين المتجهين إلى غزة من مطار القاهرة يخضع لعدة شروط؛ أولها أن يكون الفلسطيني يحمل إقامة من الدولة القادم منها، إضافة إلى أنه يحمل هوية قطاع غزة، منبهًا إلى أنه سيمنح الفلسطيني 72 ساعة فقط للسفر إلى معبر رفح بمعرفته.
وتشير روايات لمسافرين خلال السنوات العشر الماضية ووثقتها مراكز حقوقية محلية إلى أن السلطات المصرية كانت تتعامل مع المسافرين الفلسطينيين بشكل "غير آدمي".
ومن بين تلك الممارسات احتجاز عشرات المسافرين مع عائلاتهم في قاعة ضيقة بمطار القاهرة لأكثر من أربع وعشرين ساعة وفي بعض الأحيان تم احتجازهم لأكثر من ثلاثة أسابيع في عامي 2007- 2008.
وإن كان عثمان قد اعتبر القرار بأنه يأتي في إطار التسهيلات الجديدة التي أقرتها مصر، لتسهيل حركة المرور على معبر رفح البري، الا أنها تنطوي على ضوابط أمنية لا حاجة لها، وفق ما يشتكي مواطنون.
وقال سائق أجرة يدعى أبو عبد الله :"اذا لم تنحل العقدة، طالما قرار الترحيل الغي بالنسبة لحملة الاقامات، فماذا بشأننا نحن المقيمين في غزة"، مشيرا إلى ان استمرار ترحيل المواطنين من غير حملة الإقامات يعتبر اذلالا للفلسطينيين.
وشكك أبو عبد الله وهو يحرك مقود سياراته الصفراء، في امكانية ان تحقق الثورة المصرية والانتخابات أية نتائج من شانها أن ترفع الحصار عن غزة، مؤكدا ان "القاهرة" لا تزال تتعامل مع الفلسطينيين على أنهم يمثلون خطرا على أمنها القومي.
وعلى ما يبدو ان تطلعات المواطنين الغزيين بانفراج ازمة السفر كانت حاضرة على أجندة اللقاء الذي جمع الرئيس المصري محمد مرسي، برئيس الوزراء اسماعيل هنية الأسبوع الماضي.
وكشف هنية في اعقاب لقائه بالرئيس مرسي عن "قرارات فورية" ، تقضي بـ"فتح ميناء رفح البري لمدة 12 ساعة يومياً من الساعة 9 صباحا وحتى الساعة 9 مساء، والسماح بزيادة عدد المسافرين من قطاع غزة إلى 1500 مسافر يومياً، واستيعاب كل القادمين الفلسطينيين من الخارج".
وأفاد هنية في تصريحات صحفية أنه "جرى مناقشة ملف الممنوعين والمرفوضين من السفر، والمدرجين على قائمة المنع الأمني لدى السلطات المصرية حيث تم إزالة 60% من أسماء المدرجين على هذه القائمة"، مشيراً إلى أنه تم الاتفاق على "منح أي فلسطيني يدخل الأراضي المصرية 72 ساعة إقامة داخل مصر.
وبين أن السلطات المصرية ستعمل على زيادة عدد العاملين المصريين لتسهيل حركة المسافرين "وهذه خطوة متقدمة في سبيل تخفيف حلقة من حلقات الحصار على قطاع غزة"، كما قال.
الوعود التي قدمها الرئيس "مرسي" خلال لقائه هنية، من المؤكد ان تصطدم مع مواقف حلفاء الرئيس المخلوع "محمد حسني مبارك"، الذين يعارضون منح تسهيلات لحركة المسافرين الفلسطينيين واستمرار تضييق الخناق على غزة.
ورفض السياسي المصري الشهير ووزير الاسكان السابق حسب الله الكفراوي، رؤية الرئيس مرسي لتخفيف الحصار عن قطاع غزة، قائلاً: "ان ما يفعله الرئيس الجديد محمد مرسي غير مقبول بكل المقاييس، فمصر ليست الدولة العربية الوحيدة في الوطن العربي فاذا كان هناك موقف عروبي يجب ان يكون معنا مصر وتركيا وايران ودول الخليج في المقدمة"، مشيرا ان مصر هي الدولة الوحيدة التي ضحت بـ 150 الف شهيد في سبيل تلك القضية (يقصد القضية الفلسطينية).
وقال الكفراوي في تصريحات صحفية "ان فلسطين تعتبر امنا قوميا للبلد وقرار الرئيس بدخولهم بدون تأشيرات يفتح الطرق للعديد من تهريب الاسلحة وأنفاق غزة"، مضيفاً "لن ندفع ثمنا لحكومة حماس".
في المقابل يرى مراقبون أن جملة من العراقيل ستصطدم بها الرؤية المصرية الجديدة تجاه (ملف غزة)، متوقعين ان يستمر أعوان النظام البائد في التعامل مع القطاع على أنه ملف أمني بالدرجة الأولى.
ورأى المحلل السياسي مصطفى الصواف أن ما اتفق عليه هنية مع الرئيس المصري من فتح المعبر لمدة اثنتي عشرة ساعة في اليوم وتسهيل مرور ألف وخمسمائة مواطن خلال فتح المعبر، قد يصطدم بعقبات بيروقراطية أو لا تتوافق ورؤية الأجهزة الأمنية المصرية المسيطرة على المعبر.
وقال الصواف: "من السهل على الاجهزة المصرية المسيطرة على المعبر، أن تقوم بتعطيل القرار الرئاسي بالتسهيل على المواطنين خلال عبورهم معبر رفح الدولي، فقد يعمل المعبر على مدار الساعة؛ ولكن في نفس الوقت لن يمر منه ما يزيد عن خمسمائة مواطن والحجج والمبررات كثيرة".
وشدد على ضرورة رفع سقف التوقعات الفلسطينية، خصوصا في ضوء الأوضاع الصعبة التي تعيشها الرئاسة المصرية "من عدم السيطرة على أدوات تنفيذ سياساتها خاصة في الشق المتعلق بقطاع غزة"، مدللا على قوله باعتراض المخابرات المصرية لحظة خروج هنية من قطاع غزة إلى مصر للقاء الرئيس المصري، على مرافقة وفد من الصحفيين المحللين لهنية، وذلك حتى لا تسلط الضوء على الزيارة.