الشتاء يشعل الحميمية ويدفئ العائلة

غزة/ كمال عليان:

بمجرد أن يبدأ فصل الشتاء بجوه القارص ورياحه الباردة، سرعان ما تبدأ عائلة الحاج أبو رائد (55 عاما) باستقبال هذا الزائر بكل ترحاب.

يخرج الحاج أبو رائد بمساعدة أبنائه المدفأة الكبيرة من مكانها ويضعها في الصالون، فيما يسرع ابنه لشراء المكسرات وبعض المشروبات الساخنة مثل السحلب ليتجمع أفراد العائلة حول "كانون النار" ليصبح المنزل مكانا حميما يجمع أفراد العائلة.

يمارس أفراد عائلة أبو رائد طقوسا مختلفة لقضاء وقت ممتع استعدادا للسهرات العائلية الدافئة التي تنسيهم منغصات الحصار الظالم المفروض على القطاع ولو مؤقتاً.

"الرسالة" عاشت أجواء الشتاء في بيوت العديد من العائلات الفلسطينية في قطاع غزة وأعدت التقرير التالي: 

ذكرى جميلة

وفي هذا الصدد يقول أبو رائد:" منذ كنت صغيرا اعتدت رؤية والدي يقوم بإخراج كانون النار وشراء الحطب في الشتاء لننعم بدفئه في ظل انقطاع الكهرباء"، موضحا مدى الاستمتاع بهذا الطقوس السنوية، وهذا ما جعله يعود أبناءه على هذه العادة لتبقى ذكرى جميلة عندما يكبرون.

وبعد انتهاء العمل يسارع الشاب رائد (27 عاما) في أجواء الشتاء إلى منزله للانضمام إلى هذه "اللمة" العائلية، ويبين أنه اعتاد على اجتماع الأسرة في البيت في معظم أيام الشتاء عازيا هذا التجمع إلى "الرغبة في الدفء والراحة واحتساء ما تقوم والدته بتحضيره في الأجواء الباردة من شوربات ساخنة كالعدس ومشروبات ترتبط بهذا الفصل مثل السحلب".

من جهتها تشير أخته سوسن (12 عاما) إلى أن ليالي الشتاء فرصة لاجتماع العائلة، مضيفة:" حتى إخوتي الكبار، يسهرون معنا في غالبية الأوقات في حين يفضلون في غيره من الفصول قضاء معظم وقتهم مع أصدقائهم خارج المنزل".

أجواء الشتاء تسهم في تقوية الروابط الأسرية، وفق أستاذ التربية داوود حلس الذي يؤكد أن مرده ذلك إلى "جلوس أفراد العائلة طويلا مع بعضهم بعضا، فضلا عن قيامهم بممارسة أعمال ونشاطات مشتركة وتبادلهم حوارات وخطط خاصة بهم ترتب حياتهم".

وعن فائدة هذه اللمة يقول د.حلس:" إنها مفيدة للصغار والكبار؛ فالجلوس على مائدة طعام واحدة أو التحلق حول المدفأة يشعرهم بالحميمية".

لمة العائلة

من جانبه يلفت أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الإسلامية وليد شبير إلى أن العادات والتقاليد المرتبطة بـ"لمة" العائلة تختلف حاليا عما كانت عليه في السابق.

ويعزو شبير هذا الاختلاف إلى ظهور الأسرة النووية وتراجع دور العائلة الممتدة مرجعا ذلك لانتقال الناس من حياة الحارات إلى المدينة حيث كان أفراد العائلة جميعهم يجتمعون في بيت الجد أو كبير العائلة لتبادل الحوارات ومناقشة أحوال البلد لما لذلك من دور في تنمية فكر الصغير قبل الكبير.

ويبين أستاذ علم الاجتماع أن صعوبات التنقل وخطورتها في الشتاء تسهم في حب البقاء في المنزل بدلا من زيارة الأهل، فضلا عن أن الأسرة النواة مغلقة على ذاتها بسبب انشغالها في توزيع الأدوار داخل الأسرة وخصوصا بوجود أم عاملة لها واجبات داخل وخارج المنزل، مما يجعل فصل الشتاء وقتا مناسبا لوجود الأب والأم مع أولادهم لإعادة ترتيب الأسرة وهيكلتها والتحاور فيما بينهم.

تغيير الروتين

"اللمّة" العائلية تفيد في التخفيف من حدة الكآبة الفصلية أو الشتوية، وفق اختصاصي علم النفس د. درداح الشاعر الذي يعزوها لغياب الشمس وتلبد الغيوم وتقلبات الطقس. 

وتفيد الجمعة الأسرية أيضا، وفق الشاعر، في التغيير من الروتين كما أنها فرصة للزيارات العائلية التي تقرب بين أفرادها، وبخاصة في حال اتفاقهم على اجتماع في يوم معين وفي ساعة بعينها.

ويتفق حلس مع الشاعر في أن هذه السلوكيات والمشاريع التي تكون بين أفراد الأسرة تعمل على قتل الروتين وإضفاء جو من المودة بينهم.

علاء (30 عاما) يجد في فصل الشتاء فرصة للقراءة وبخاصة ما يجدّ من روايات، عازيا ذلك لـ"طول الليل من جهة وللبقاء في المنزل من جهة أخرى".

وفي الإطار نفسه يعتبر أبو محمد (40 عاما) فصل الشتاء مساحة مناسبة للتسلية مع أولاده وبخاصة أن أجواء الشتاء والوضع المادي يحولان دون ذهابهم خارج البيت.

ويبين أبو محمد أنه يلعب مع أولاده ألعابا شعبية مثل؛ "حاكم جلاد، وجماد حيوان، ويروي لهم قصصا مختلفة كعقلة الإصبع والشاطر حسن.

ومن النشاطات الأخرى التي من الممكن أن تخلق جوا حميميا بين أفراد العائلة يلفت حلس إلى "صنع اللعب وعمل مسابقة بين الأولاد تناسب الصغار والكبار ويشارك بها الوالدان، لما لذلك من دور في ترغيبهم في الجلوس في المنزل".

 

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير