قادة صامدون في وجه التحديات والحصار، يرسمون خططهم بصمت، أفعالهم تترجم ما يفكرون به، تحسبهم أصحاب دنيا، حتى تجدهم السباقين إلى آخرتهم، هم باختصـار قادة حركة المقاومة الإسلامية حماس، تشبثوا بمبادئهم، وبقيت أفعالهم كأغصانٍ في السماء محملة بثمار الانتصارات.
وفي ذكرى انطلاقة "حماس" الخامسة والعشرين، طرقنا باباً لأحد قياداتها، لنتعرف على تفاصيل الحركة أكثر، ونغوص في الأعماق، لنكشف عن خبايا أصبحت ذكريات في عقول مؤسسي الحركة، فتوصلنا للقيادي في حركة حماس م. إسماعيل الأشقر، الذي فرغ لنا جزءاً من وقته، ليدلي بأفعال وأفكار حماس على مدار الـ 25 عامـاً من تأسيسـها.
الأشقر في سطور
قياديٌ بارز في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، عرفه الجمهور العربي والغربي بتصريحاته النارية، حتى أصبح الصيد الثمين للإعلاميين ليحصلوا على بعض كلماتٍ في الأوقات الحرجة، ولنترك الأشقر يحدثنا عن نفسه.
"اقتنعت بفكر الإخوان المسلمين، بعد رؤيتي انحرافات بعض الفصائل آنذاك، فوجدت فكر الحركة مناسب لما تربينا عليه من تمسك بالحقوق والثوابت والقرآن، حتى اعتبرت نفسي جنديا من عناصرها، وسخرت نفسي لخدمة الدين والوطن".
"انتسبت لحركة حماس فعليا مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم، وكنت أكمل تعليمي في أوروبا، عدت لفلسطين قبيل انتفاضة الحجارة – الانتفاضة الأولى عام 1987- بشهر، وعقب وصولي تقلدت منصب مسئول شمال قطاع غزة في المكتب الإداري العام، ومسئول أمن قطاع غزة آنذاك".
"اعتقلت خمسة سنوات من أصل سبعة في سجون الاحتلال، بتهمة الانتساب للحركة، تعمقت علاقتي مع الرعيل الأول للحركة داخل السجون، أمثال صلاح شحادة، وإبراهيم المقادمة، وإسماعيل أبو شنب، ثم وصلت لعدة مناصب حساسة في الحركة، حتى أصبحت أحد مؤسسي حزب الخلاص الوطني، ثم نائباً عن حركة حماس في المجلس التشريعي".
حماس برأي قادتها
"حماس هي سوط الله بفلسطين كي تعذب المحتلين" بهذه العبارة قال الأشقر رأيه بالحركة، وأضاف:" بإيمان حماس بدينها وعقيدتها ومقدساتها وحقوقها وثوابتها وحقها في الكفاح ضد الاحتلال، ربت أبناء وقيادات عقائدية، وخلقت قاعدة تؤمن بحقها وثوابت شعبها".
بدأت حماس في مقاومة المحتل (الإسرائيلي) بالحجر ثم السكين، وتطور للعبوة المصنعة، وتلاه العمليات الاستشهادية من خلال الحزام الناسف، إلى صواريخ القسام متتالية التصنيع، حتى وصلت إلى صاروخ (m75) ولن يكون الأخير برأي الأشقر.
انتفاضتي الحجارة والأقصى
بدأت الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، بعد دهس سائق شاحنة (إسرائيلي) مجموعة من العمّال الفلسطينيّين على حاجز " إيرز"، الذي يفصل قطاع غزة عن بقية الأراضي فلسطين منذ سنة 1948.
فكانت بداية الانتفاضة شبابية، تعتمد على الحجارة والإيمان بالحقوق والثوابت، وفي ذلك يقول الأشقر:" من شدة ما يمطر به الأطفال الفلسطينيون الاحتلال من حجارة، نرى الجنود (الإسرائيليين) يبكون من شدة الضغط النفسي الذي يمارس عليهم من زخات الحجارة".
يقطع الحديث رنين الهاتف، ويأبى الأشقر الرد عليه، مسترجعاً بذاكرته لتاريخ الانتفاضة قائلا:" تميزت حركة حماس عن بقية الفصائل بقادتها داخل أرض المعركة، وتسلحها داخل فلسطين، لمقاتلة الاحتلال، بخلاف التنظيمات التي تتمركز قياداتها بالخارج".
ويضيف:" وجهت الحركة ضربات نوعية ونادرة في قلب الاحتلال، عندما اغتالت مجموعة من الضباط (الإسرائيليين)، فكان لها فضل السبق الجهادي على أرض المعركة"
وتتوالى خبرات وعقول مفكرو الحركة وعساكرها، بحيث تراكمت الخبرات، وأصبحت حماس للمرة الأولى في فلسطين تحمل البندقية، ما جعل الفصائل الأخرى تحذو تجاه التسلح داخل فلسطين".
مكاتب تغلق، وقيادات تبعد خارج فلسطين، وعناصر تعتقل في الزنازين، ولم يثن الحركة عن إصرارها في التمسك بحقوق وثوابت الفلسطينيين.
تطورت انجازات المقاومة في القطاع والأراضي المحتلة، حتى بدأت الانتفاضة الثانية تدور رحاها، واستطاعت حركة حماس مع الفصائل الأخرى خلال أربع سنوات قتل (1150 إسرائيلياً)، مقابل (2700 شهيد فلسطيني).
حماس والحكم
لم تكتفِ الحركة في الجهاد، بل حصنت من نفسها وحملت الأمانة على أكتافها، وخاضت المعترك السياسي بدخولها انتخابات المجلس التشريعي، حتى حصلت على 78 مقعدا من أصل 132، ما يشكل الأغلبية لحركة حماس.
ويشير الأشقر إلى بدايات تولي حماس زمام الأمور قائلا "بعد وصول "حماس" لسدة الحكم، بدأت تحاك المؤامرات ضد أعضاء التشريعي، وشارك في المؤامرات الجانب (الإسرائيلي) فاعتقل 45 نائبا من أنصار حماس، من أصل 48 نائباً، وزادت العراقيل إلى أن استمر التشريعي بالعمل".
ويتابع " واصل النواب في غزة بتوكيل أقرانهم بالضفة من الحركة الانعقاد، وسن المجلس عشرات القوانين بجميع الشؤون".
المصالحة الفلسطينية
حالة من الانقسام شرخت وحدة الشعب الفلسطيني، إلا أن "حماس" مدت يدها لفتح قائلةً "خيركم من يبدأ بالسلام"، فتشترط الأخيرة أن رضا (إسرائيل) أهم من السلام.
ويشدد الأشقر أن حركته معنية بالمصالحة بشكلها "الاستراتيجي" القائمة على خطوتين، التحرير والمقاومة، والتوافق الوطني ينص على تدعيم الثوابت وجعل المقاومة خياراً استراتيجيا".
وجدد الأشقر تأكيده على التمسك بمشروع المقاومة حتى تتحرر آخر ذرة تراب من أرض فلسطين، مطالباً من حركة فتح إعادة الحسابات في الرجوع لأصل الكفاح المسلح الذي اتخذته فتح شعاراً لها وقت التأسيس.
وأوضح أن المقاومة أثبتت جدارتها بدحر الاحتلال عن قطاع غزة عام 2005، وتلقينه درسا عام 2008-2009 بمعركة الفرقان، وكسر أنفه سياسيا وعسكريا وإعلاميا وجماهيريا عام 2012 بمعركة حجارة السجيل على حد قول الأشقر.
أوقف الحديث صوت آذان الظهر، فصلينا ثم استكملنا اللقاء عن احتمالية غدر (إسرائيل) لقيادات فلسطينية، فتوقع غدر الاحتلال بأي لحظة.
ورأى أن أي حركات غدر سيمارسها الاحتلال ضد القيادات الفلسطينية، سينقل صواريخ المقاومة للعمق الفلسطيني، وستكون ضرباتها موجعة ومزلزلة.
وبدوره طالب الأشقر من حركة فتح والفصائل الفلسطينية، التوافق على أن الضفة هي المكان الأنسب للصراع مع الاحتلال في الوقت الحالي، وجدد من إصراره على ترك يد المقاومة بالضفة.
وتابع" صواريخنا بغزة وصلت القدس، فنريد من أهل الضفة أن ينتفضوا من جديد ويشعلوا انتفاضة شعبية، تستطيع طرد الاحتلال من الضفة بشكل مرحلي".
وكانت المقاومة لقنت الاحتلال درساً بعد اغتيال القيادي في القسام أحمد الجعبري، وخاضت معركة استمرت ثمانية أيام، ناشد بها الاحتلال جميع دول العالم للتوصل لتهدئة بشروط المقاومة، بعد أن وصلت صواريخ القسام العمق (الإسرائيلي) وبالتحديد مدينة (تل أبيب).
وبعد أن فاجأت حماس العالم بصمتها، وتوصلها لأحدث المعدات القتالية، التي برزت في العدوان الأخير على غزة، توقع الأشقر مفاجآت جديدة تقدمها القسام في الجولات القادمة.
ولفت إلى أن (إسرائيل) فشلت في المنظومة الإستخباراتية أثناء العدوان الأخير على القطاع، في جميع الأصعدة، سياسياً، وإعلامياً، وعسكرياً.
مصير العملاء
وأثنى الأشقر على دور وزارة الداخلية، التي بذلت جهوداً مضنية في تجفيف منابع الاحتلال من خلال تجنيد العملاء في الطابور الخامس، واعتبر الداخلية "الظاهر الحامي" للمقاومة بغزة.
وبين أن الداخلية بغزة تعاونت مع الفصائل الفلسطينية في التبادل الأمني، وتغذيتهم بالمعلومات اللازمة.
وأشار إلى أن الاحتلال بدأ تخبطه عندما قمعت داخلية حماس العملاء، وجففت منابعهم بغزة، ما جعل (إسرائيل) في حالة ذهول شديدة من أمن حماس.
وفي توقعه على انجازات حماس في المرحلة القادمة أجاب الأشقر قائلا:" حماس حركة إبداع وإصرار وتمسك بالثوابت والحقوق، فهي لم تأكلها الدنيا، بل تعمل ليل نهار على جميع الأصعدة، ولكن بصمت".
وأضاف:" ننتظر مفاجآت من حماس، لم يعتدها الاحتلال من قبل، فهي منظومة بناء تحافظ على المقاومة وتبني ليل نهار وتصنع وتفكر بصمت للقضاء على الاحتلال".
واعتبر الأشقر صمود المقاومة الفلسطينية مرتبطاً بالدعم العربي والإسلامي -إعلامياً، وسياسياً، وعسكرياً، ومالياً- لها، قائلا:" المقاومة لا يمكن أن تقاتل عدوا لوحدها".
وختم قائلاً:"لا بد من توفر دعم علني للمقاومة لأنها أثبتت شرعيتها على أرض المعركة".