"البطارية ضعيفة".. تتكرر الرسالة الصغيرة بوميضها الأحمر على شاشة هاتف "أحمد" المحمول ثم لا شيء، ينطفئ ضوؤه لينضم إلى الصامتين من حوله "الحاسوب , التلفاز , الراديو ..".
وبعد أنّ تنفد محاولات التحايل على الوقت، يندّس أحمد عاشور صاحب الـ"21"عاماً تحت الأغطّية الكثيفة باحثاً عن دفءٍ يهزم برد كانون وينام وذات الحلم يُراوده بأن غزّة على موعدٍ دائم مع الكهرباء.
وكآلاف الحالمين بمدينة لا تعرف الظلام يتحول ليل غزة إلى لوحة باردة ترهق أحمد وتغدو دقيقة المساء فيها بألف سنة مما يعدون كما يصف في حديثه لـ"الرسالة نت": "الليل في الشتاء طويل ومع انقطاع الكهرباء وغيابها لساعات يبدو المساء وكأنّه لا ينتهي .. تنفد بطارية الجوال بعد أن أستهلك طاقتها في التنقل ما بين الإذاعات والانغماس في الألعاب ..وعندما تنتهي هذه الرحلة تبدأ تفاصيل الملل والصمت التي يزيد من وجعها برد كانون القارس ..."
كان يا مكان
ويبدو أن غياب الكهرباء وأزمتـها المتجذرة والواقفة على باب عقدٍ من زمن الألم ستتحول إلى حكاية كان ما يا مكان كما تروي أم أحمد السقا (44 عاماً) :" جيل ولّد مع هذه الأزمة وها هو يكبر
مع ساعات انقطاعها وما تُخلّفه من قهـر يومي ...حكايات ما قبل النوم لصغارنا لم تعد ليلى والذئب بل أصبحّت :" كان يا مكان عنا كهربا ".
وتأسف أم أحمد على حال أطفالها وتصف حياتهم بالبائسة :" مساكين جدا هم , لا تملك إلا أن تشفق عليهم كيف لا وهم جيل الكهرباء بامتياز حياتهم تتحرك بها ..ألعابهم على الحاسوب مشاهدة الكرتون على التلفاز ...عالمهم لا يمشي إلا بها .."
وفي الأيام القليلة الماضية ومع سوء الأحوال الجوية وتأثيرات المنخفض الجوي الذي ضرب القطاع تفاقمت أزمة انقطاع التيار الكهربائي وزادت ساعات الفصل لتتجاوز أكثر من 15 ساعة في العديد من المناطق.
ويشعر أبو خالد يونس (54 عاماً) بالصدمة أمام أبجدية صغاره وهي تتغير لتنطق بما تختزنه عقولهم من صور يومية للألم، وبشيء من الدهشة قال للرسالة نت: "طفلتي في البستان وكنت أغني بصحبتها ألف أرنب يجري يلعب ..باء بطة وفجأة استوقفتني وهي تصرخ بمرح كاف: كهرباء مقطوعة ...كانت تضحك وهي تتلفظ بها؛ لكن أنا كنت أشعر بغصة وحسرة على واقعهم هذا وكيف تبدّلت قواميس لغتهّم لتكبر حروفهم وتقفز بطفولتهم إلى عوالم أكبر من أجسادهم الصغيرة النحيلة".
أيامهم تختلف
وتضطر أم نائل الرنتيسي "32 عاماً" للتحايل على صغارها والدفع بهم إلى النوم باكرا في فترات انقطاع التيار الكهربائي غير أنها تصطدم في الصباح بعواصف من اللوم والعتاب من جاراتها وبصوتٍ تحتل نبراته الشكوى من حال لوحات غزة اليومية.
تقول للرسالة نت: "أمام انقطاع التيار الكهربائي وغياب أي وسائل للترفيه تبدأ المعارك بين أطفالي والشجار فيما بينهم فأضطر إلى الدفع بهم إلى الفراش باكراً وهو ما أدفع ثمنه صباحا عندما يستيقظون مع تغريد العصافير فيبدأ الجيران بالامتعاض من أصواتهم".
وتستدرك بأسى: "ماذا أفعل؟ ما من حل أمامي ...الليل في الشتاء طويل ولا مكان لنا أمام هذا البرد سوى التزام جدران البيت ولا يمكنني أن أتحمل صـراخهم وشغبهم في كل مساء ..أضطر إلى تنوميهم باكرا وأمام الجارات المتذمرات لا أملك إلا القول :" ادعوا أن تأتي الكهـرباء ولا تنقطع أبدا."
وعلى باب بيته وهو يشعل موقدا صغيرا من النار يحميه من لسعات كانون يعذر الحاج أبو خالد البنا (62 عاماً) أحفاده وهم يتذمرون من الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي :" هذا جيل التكنولوجيا جيل الفيس بوك والألعاب على الحاسوب ... لا يمكن لنا أن نخبرهم بسهولة :" لقد كنا نعيش بدون كهرباء .. أيامنا كانت تختلف.. حياتهم الآن هي باختصار كهرباء "
ويزداد تذمر صغار غـزة من كهرباء تختفي أكثـر مما تأتي وهم يقضون في هذه الأيام إجازة الفصل الدراسي الأول فيضطر أكثرهم إلى مصافحة الشوارع الباردة هربا من بيوتهم الصامتة.
قلق دائم
وتتمنـى ريما السيد طالبة الثانوية العامة أن تودع غزة حكاية الحزن الطويلة هذه :" في الشتاء وفي كل بيت هناك قصة تشكو تعب البرد والليل الطويل ...بتنا نكره الشموع لم تعد تذكرنا بأعياد الميلاد والفرح ...كيف لا وهي قد تحولت لعناوين الموت والاحتراق ...أتمنى أن أستيقظ دون أن أنصت لموسيقى المولّدات ونشاز ألحانها ..أن تنعم أمي بماء ساخن وهي تعد لنا وجبات الطعام ولا يلسعها البرد ..أن أبقى أدرس دون ضجيج ودون ضوء يحتضر .."
وأكثر ما يخشاه خبراء علم النفس أمام هذه اللوحات الدامعة، ما قد تخلفه من ضغوط نفسية، فمن جهته أكد الدكتور "درداح الشاعر" -أستاذ علم النفس بجامعة الأقصى بمدينة غزة- في حديثه لـ"الرسالة نت" أن مفردات هذا الوجع وهذه التراكمات تترك آثارها الواضحة على الأمهات والآباء والصغار.
وأشار إلى أن الشعور بالقهر وعدم الاطمئنان يولد العديد من الأمراض النفسية أبرزها الاكتئاب، والقلق الدائم.