عباس واللعب على وتر العاطفة الحساس !

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس
رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس

غزة- أحمد الكومي

عقد الرئيس محمود عباس يديه خلف ظهره وأحنى رأسه، ثمّ راح يلتف حول نفسه في غرفته المكيّفَة بمقر المقاطعة في رام الله، يبحث عن مخرج من حرج العودة للمفاوضات دون تحقيق أي من شروطه التي طالما تمسك بها.

وعلى طريقة أرشميدس، صرخ عباس فجأة "وجدتها وجدتها"، ولم يجد الرجل الشائب أقوى من هدف الأسرى لتوظيفه في دغدغة عواطف الرأي العام الفلسطيني، وإيهامه بأن العودة للمفاوضات ستكون المخلص للأسرى.

ويعلّق الكاتب الصحفي أسامة خاطر في مقال له: "الحقيقة أن السلطة وفريق المفاوضات اختاروا بعناية هدفًا يمكن من خلاله أن يلعب على وتر العاطفة الحساس لدى الرأي العام الفلسطيني".

عباس أبرم صفقة مع الجانب (الإسرائيلي) للإفراج عن 26 ممن اعتقلوا قبل اتفاقية أوسلو 1993 كـ"بادرة حسن نية" من طرف الأخير.

ولاقت الصفقة ترحيب رام الله، واعتبرها السياسيون هناك "انجازًا وطنيًا بامتياز"، مقابل ترقب حذر للساسة في قطاع غزة، لما عهدوه عن تنازل المفاوض الفلسطيني لصالح الاحتلال في كل جولة مفاوضات.

إنجاز!

وزير الأسرى في الحكومة الفلسطينية بغزة عطا الله أبو السبح انضم لفئة المرحبين بالإفراج عن الأسرى القدامى، بيد أنه قال: "جدًا جدًا أرحب بالصفقة.. أهلًا وسهلًا بكل أسير حر، لكن الآلية التي تمت بها الصفقة فيها استدراج ورشوة لمحمود عباس".

"

أبو السبح: الآلية التي تمت بها الصفقة فيها استدراج ورشوة لعباس

"

وأضاف أبو السبح لـ"الرسالة نت": "أرفض أن يكتب هذا الإنجاز في سجل عباس، لأنه استدرج إلى هذا الأمر من أجل أن يتخلى عن الثوابت"، مستدركًا: "هو إنجاز للشعب الفلسطيني بأكمله، لكن لعباس لا".

أما نظيره في الشطر الآخر، الوزير زياد أبو عين فأصرّ على أن الصفقة إنجاز يسجّل للرئيس عباس. وقال "الصفقة لها ما بعدها، ولن نكتفي بهذا الحد، وسنفتح ملف الأسرى هذه المرة على مصراعيه".

وذكر أبو عين لـ"الرسالة نت" أن قيادة السلطة تعمل على صياغة اتفاق نهائي يشمل الإفراج عن الأسرى كافة، وقال أيضًا: "سيعرض هذا الاتفاق على الشعب، وهو صاحب القرار".

تخطيط (إسرائيلي)

وجب التنبيه هنا إلى أن فؤاد الخفش مدير مركز أحرار لدراسات الأسرى، نشر دراسة لوضع الأسرى الـ26 المفرج عنهم، وتوصل إلى أن الصفقة كانت بتخطيط (إسرائيلي) محض دون أن تشارك السلطة أو تتدخل في اختيار الأسرى المنوي الإفراج عنهم، أو حتى في طبيعة الإفراج عن الأسرى حسب الأقدمية وحسب النسب المناطقية لفلسطين.

وقال الخفش: "الصفقة لم تتضمن أي أسير من الداخل الفلسطيني والقدس المحتلة، حيث كان توزيع الأسرى الـ26 على النحو الآتي: 15 أسيرا من غزة و11 أسيرا من الضفة، مع العلم أن عدد أسرى الضفة من الأسرى القدامى 57 أسيرا، وأسرى غزة 23 أسيرا، ما يعني أن التقسيم كان وفق المزاج (الإسرائيلي).

(إسرائيل) أعلنت رسميًا الجدول الزمني لصفقة الإفراج وطريقة تنفيذها، إفراج سيكون على أربع مراحل، الأولى جرى دفع ثمنها بـ 26 اسيرا مع بداية الجولة الجديدة، وبعدها تدخل الصفقة في نفق الشروط والاختبار، "وكل دفعة تكون مرتبطة بالتقدم التفاوضي".

"

أبو عين: الصفقة لها ما بعدها، وسنفتح ملف الأسرى على مصراعيه

"

ويقرأ مراقبون هذه الإجراءات بأن (إسرائيل) لن تفرج عن أي أسير ما لم ترض حكومة نتنياهو عما جرى التفاوض عليه!

الكاتب خاطر أورد سؤالًا في مقاله، نقلته "الرسالة نت" لوزير الأسرى بالضفة أبو عين، ونصه: "هل علينا أن نرحب بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين إن كان ثمن تحريرهم مزيدًا من التفريط بالحقوق وبيع الأرض؟".

الوزير استشاط غضبًا وقال "إن هذا اتهام مرفوض (..) نحن الحراس على الثوابت، وضحيْنا من أجلها، وسنحميها برقابنا". ومضى يقول: "أعطني ثابتًا وطنيًا واحدًا تنازلنا عنه" !

وتُعيد صفقة السلطة هذه إلى أذهان الفلسطيني صفقة "وفاء الأحرار" التي جرت بين حركة حماس والاحتلال برعاية مصرية، التي أفرج من خلالها عن مئات الأسرى مقابل إطلاق سراح الجندي (الإسرائيلي) جلعاد شاليط بعد 5 أعوام من أسره بغزة.

وتعدّ صفقة حماس أضخم ثمن دفعته (إسرائيل) في مقابل جندي واحد، كما أنها باهظة جدا من الناحية الأمنية والعسكرية لأنها تشمل إطلاق أسرى أودوا بحياة 570 (إسرائيليا)، ما حدا برئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو للقول بأن الموافقة على الصفقة هو أصعب قرار اتخذه في حياته.