أطفال عائلة أبو عواد.. طحنتهم أليات الاحتلال

رام الله - لمراسلنا

لحظات فقط قرر فيها فراس أبو عواد ذو العاشر سنوات عدم مصاحبة أهله عندما قرروا الخروج من بيتهم عصر يوم الجمعة في نزهة عائلية، ورغم محاولتهم إقناعه بذلك إلا أنه فضّل اللعب مع أصدقائه.. ولم يكن يعلم أن تلويحه بيده مبتسماً لشقيقيه وشقيقتيه ووالديه ستكون نظرة الوداع إليهم قبل أن يرتقوا شهداء.

فبعد غروب شمس يوم الجمعة عاد أصدقاء فراس كل إلى منزله، وبقي هو وحيداً قرب بيته ينتظر عودة عائلته ويتساءل عن سبب تأخيرهم رغم أنهم وعدوه بأن يعودوا قبل الغروب، ولكنّ شيئاً ما بقي يقلقه وهو ينتظرهم، ولم يفلح لهوه بكرته البيضاء الصغيرة في تشتيت تفكيره الذي بقي معلقاً مع ضحكات حنين ومزاح يوسف وبراءة محمود ومداعبته لآية الصغيرة.

الصدمة!

كلمات قليلة كانت كفيلة بانتزاع الدموع من عيني فراس والارتماء في حضن عمه الذي نقل إليه خبر استشهاد والدته وإخوته جميعاً بعد صدم سيارتهم من قبل آلية تابعة للاحتلال قرب مدينة رام الله، فكان الخبر كالصاعقة سقط عليه وهو يتخيل آخر مشهد لهم جميعا يلوحون بأيديهم له ويتبادلون الضحكات بصوت عالٍ.

ولكن العزاء الوحيد للطفل أن والده بقي على قيد الحياة في قسم العناية المكثفة في مستشفى رام الله الحكومي، فسارع مع أعمامه لرؤية الوالد لعل أنفاسه تعيد لفراس شيئاً من الأمل بشبه الحياة المستقبلية، وما إن وصل المشفى حتى ركض مسرعاً إلى غرفة والده ولكنّ الأطباء منعوه من رؤيته بسبب الحالة الخطيرة التي كان يعاني منها.

وبقي فراس ينتظر والده أن يصحو من غيبوبته، وبقيت دموعه تبلل خديه الصغيرتين ألماً على رحيل أمه وإخوته، كما بقيت الصور تتراكض في ذاكرته حول آخر لحظات لهم معه، فبالأمس فقط وعد شقيقه يوسف بأن يلعب الكرة معه بعد صلاة الجمعة، وصباح اليوم أعدت والدته وجبة الإفطار ومسحت على شعره مبتسمة حين رأته يشرب كوباً من الحليب.. لم يكن يعلم أنه الأخير أمام ناظرها.

وأثناء انتظاره خارج غرفة العناية المكثفة ممزوجاً بالألم والأمل، جاء أحد الأطباء ليتكلم مع عم فراس بصوت خافت، وبقي الطفل يراقب حركات عمه وهو يتحدث إلى الطبيب، ولكن الجملة الوحيدة التي ختمت المحادثة وسمعها:" الله يصبّركم..البقية بحياتكم"، وحينها أدرك أنه بقي وحيداً وفقد كل عائلته خلال ساعات قليلة، وعادت الدموع تغطي وجهه البريء وتكاد تحفر سيلاً في وجنته وهو يطرق باب غرفة والده في المستشفى ويصرخ بأعلى صوته "يابا رد عليّ.. ما تتركني لحالي"، وبقي يبكي مبكياً كل من رآه.

بصمات احتلال

تلك المشاهد المتتالية في يوم الجمعة الدامي في حياة فراس كان بالطبع سببها الاحتلال، فلا يكاد يمر يوم دون أن يتغلغل حقده في أرواح الفلسطينيين منتزعاً بعضها ومسبباً الألم لبعضها الآخر، وكانت عائلة أبو عواد آخر ضحية لجرائمه على أرض الضفة المحتلة حين صدمت سيارتها مصفحة صهيونية لم تُبقِ منها سوى نفوس عائلة كاملة أُزهقت وبقع دماء تراشقت على أجزائها وزوجة أبٍ في حالة خطرة جدا.

أما الصهاينة فلم يكتفوا بقتل العائلة، بل زادوا في حقدهم واتهموا الوالد بسام أبو عواد سائق السيارة بالانحراف عن الطريق وصدم المصفحة والتسبب في قتل أسرته، لتتجلى الروح عديمة الإحساس البشري لديهم وتحرم فراس من عائلته بكل برودة أعصاب، وليعود الطفل إلى بيت خالٍ يكاد يمزق قلبه حرقة على أحباء رحلوا فجأة في طفولته.

ولأن الخبث يحرّك أفعالهم فللصهاينة تاريخ أسود تدميه حالات الدهس وحوادث السير المتعمدة بحق الفلسطينيين ومركباتهم، لتسجل كوسيلة قديمة جديدة لقتل المواطنين وجرحهم إضافة للأسلحة الفتاكة وجرافات هدم المنازل والسياسات التهويدية.

وتشير تقارير لمؤسسات حقوقية بأن تسعة مواطنين استشهدوا خلال عام 2009 وأصيب 31 بين خطيرة ومتوسطة وطفيفة بعد تعرض مركباتهم وأجسادهم للاصطدام أو الدهس من قبل المغتصبين وآليات جيش الاحتلال.