(إسرائيل) لا تسقط الخيارات التي طرحها قادتها المؤسسون، وهي تتحسس الظروف الموضوعية لطرحها أو وضعها موضع التنفيذ.
يتحدثون علناً أنهم لا يثقون بالفلسطينيين ولا في وعودهم، وأن دولة فلسطينية تشكل خطراً عليهم وعلى المنطقة بأسرها، والبدائل جاهزة ومخبأة في الأدراج يتم فحصها بين الفنية والأخرى، وأشهرها هو البديل الأردني، وفكرته باختصار أن يعود الأردن ليدير أمور السكان الفلسطينيين في الضفة.
قبل أسبوعين نشرت صحيفة "يديعوت" مقالاً افتتاحيا للكاتب والمؤرخ والمحلل الصحفي (الإسرائيلي) لشؤون الشرق الأوسط غي بخور بعنوان "الخطة ب" تنبأ فيه أن مفاوضة السلطة الفلسطينية مآلها الفشل، وان موضوع المفاوضة هو سذاجة أمريكية. فالسلطة برأيه أخطر من السلفيين في المنطقة، وأن كل ما تسعى إليه هو انهاء (إسرائيل) على مراحل، وذلك بإعادة الزمن الى الوراء، واصلاح كل ما تمخض عن 1948.
"في (إسرائيل) يرون أن السيطرة الفلسطينية على معبر الأردن ستضر بالأمن المشترك بين (إسرائيل) والأردن، وتتخوف من حدوث تغيرات حادة في غير مصلحتها في الأردن أو في محيطه العربي والاسلامي
"
ويرى الكاتب أن الوقت قد حان لإعداد وصوغ "الخطة ب" أي "الاردن" بعد أن أصبحت الخطة "أ" غير ممكنة. ويضيف: "كما اضطرت مصر إلى العودة إلى قطاع غزة وقضاياه، يتوقع أن يحدث هذا مع الأردن لأنه جزء من الصراع". ويواصل: "كان تشرشل هو الذي فصله عن أرض (إسرائيل) الغربية، دولة عربية، لكنه جزء من الحل وهو يعلم ذلك بل انه معني به"، ويقترح خطة الحل كما تبدو في أذهان صناع القرار في (إسرائيل) ويفصلها على هذا النحو: "سيستعيد السكان العرب في يهودا والسامرة الجنسية الأردنية، ويدير الأردن الحياة المدنية في المنطقة أ، ويبقى الجيش (الإسرائيلي) هو المسئول العسكري في جميع أراضي يهودا والسامرة، بتنسيق مع الأردنيين الذين لنا معهم اتفاق سلام، ويبقى الاستيطان كله بالطبع، ويقترع العرب في يهود والسامرة للبرلمان الأردني وتكون جوازاتهم أردنية، وتحل قضية القدس سريعاً، لأن (إسرائيل) التزمت في اتفاق السلام مع الأردن أن تمنح المملكة مكانة خاصة في الأماكن المقدسة في القدس".
ويضيف الكاتب: "سيصبح الفلسطينيون سعداء بهذا الحل، لأنهم سيمنحون جنسية مشتهاة هي الثانية في فخامة شأنها بعد (الإسرائيلية). ويواصل: "الأردن أيضاً سيكون راضياً، لأن قيام دولة فلسطينية سيشكل تهديداً استراتيجياً لأمن المملكة، فهي - أي الدولة الفلسطينية - ستكون مليئة بالسلفيين ورجال القاعدة بعد وقت قصير من قيامها".
أمن الأردن والسيطرة على الأغوار
في سياق متصل يضع الساسة (الإسرائيليون) ما يسمونه بـ "المصلحة المشتركة مع الأردن" أحد أهم المسوغات لدوام سيطرة الجيش (الإسرائيلي) على طول الحدود مع الأردن، أحد أبرز كتاب الفكر اليميني في (إسرائيل)، المستشرق رؤوف باركو، وفي صحيفة "(إسرائيل) اليوم" الأكثر شعبية وقراءة بين الجمهور الصهيوني يزعم أن لدوام السيطرة العسكرية على الأغوار معانٍ عسكرية عظيمة الوزن عند (إسرائيل) في ضوء تجربتها السياسية مع الفلسطيني فيما يتعلق بالعمليات وتهريب الوسائل القتالية من حدود الأردن في الماضي (بلاد المطاردات)، وأيضاً من تجربة (إسرائيل) مع الفلسطينيين على حدود غزة.
في واقع الربيع العربي الذي يتدفق فيه مجاهدون من العالم كله على مراكز المواجهة حولنا تزداد أهمية السيطرة على الحدود الاردنية.
فالأردن القوي المستقر الذي يغلق حدوده من كل جهة، مهم جداً لتوفر هدوء على حدود (إسرائيل) الشرقية، ولهذا يجب أن يؤخذ في الحسبان خطر تسليم المسؤولية عن حدود الأردن ومعابره الى الفلسطينيين، فهذه الخطوة ستعرض الأردن، الذي أكثر سكانه فلسطينيون، لتهديد انقلاب فلسطيني في المستقبل.
ثم يحاول الكاتب دحض الأقوال بأنه لم يعد حاجة للسيطرة الأمنية على الأغوار اعتماداً على النظرية التي تقول ان العمق الاستراتيجي لم يعد مهماً في ضوء الاعتماد على الصواريخ والسلاح، وفي ضوء زوال التهديد العسكري الآتي من الجبهة الشرقية نتيجة تقوض الجيوش (العراقي والسوري). يقول الكاتب أن هذه الأقوال تتجاهل الخطر الذي يمثله الوحدات الارهابية ممن يسميهم "سواح الجهاد" الذين يتدفقون على مراكز المواجهة في المنطقة، ويرى أن نظم الحكم الملكية، وخاصة الأردن، في خطر كبير، وأن ليس من الحكمة أبداً أن تتخذ (إسرائيل) خطوة قد تؤدي الى إضعاف الأردن وإغراقه بمقاتلي القاعدة أو جبهة النصرة أو حماس، كما يقول.
ثم يواصل تحريض الأردن حكومة وشعباً، وتخويفهم فيقول: "ان سواح الجهاد الذين يعملون في الدول العربية المنتفضة لا تهمهم آلام السكان المسلمين الذين يغزونهم، فهم يغتصبون ويقتلون ويصعب ردعهم"، وهذا برأيه يزيد من أهمية السيطرة على المعابر والاحتفاظ بعمق أراضي.
يدعي الكاتب بأن الأردن غير متحمس لتسليم الفلسطينيين خط الحدود والمعابر، وأن الأردن واجه في سبعينات القرن الماضي محاولة سيطرة فلسطينية برئاسة عرفات (أيلول الأسود)، وأن الأردن، الذي يغرق بتيار لاجئين ضخم فيهم كثيرون من فلسطيني سوريا ويعمل جاهداً على منع تدفق متطرفين اسلاميين من العراق، الأردن، سيتضرر كثيراً إذا جرى تسليم الأغوار في هذه المرحلة أو غيرها إلى الفلسطينيين بما يترتب عليه من تضرر الأمن الداخلي في المملكة، وأن الأغوار ستصبح منطقة مخترقة من جهة أمنية سواء أغمضت سلطة أبي مازن عينها أو انهارت وسيطرت حماس على المناطق، فإن الضرر الذي يلحق (إسرائيل) واضح.
يقول الكاتب ان الدلائل تشهد على أن (إسرائيل) والأردن غير متحمستين لأن تستبدلا بالأمن الحالي على حدودهما تسويات مريبة، بحسب الصيغة التي يقترحها كيري. ويضيف: "يقتضي التباحث في شأن حدود الأردن البت في سؤال: هل يفضل استمرار السيطرة على مسار نهر الأردن ومعابره، وتحمل الأضرار المتوقعة من فشل الاتصالات السلمية مع الفلسطينيين أم تفضل تسوية سياسية تجلب إرهاباً معروفاً سلفاً، ينتهي إلى أن يعمل الفلسطينيون بإزاء الدولتين بحسب "أثر البالون" أي السيطرة على المكان الذي ينفجر أولا".
ويقرر الكاتب "حتى لو تحول الأردن الى "فلسطين" فلا يجوز لـ(إسرائيل) أن تمكن من سيطرة فلسطينية على مسار الأردن والمعابر فيه، بسبب التهديد من الأردن الفلسطينية المسلحة لـ(إسرائيل).
الأردن دولة حاجزة
يرى الكاتب أن الأردن أصبح في الحقيقة يشكل دولة حاجزة بين (إسرائيل) وكثير من أعدائها، وفي ضوء هذه الحقيقة يناقش الحجج التي يوردها بعض المنادين بضرورة الاستجابة للطلب الفلسطيني بعلة زوال الحلف العسكري التقليدي، وتفوق قوة الردع (الإسرائيلية) التي تجعل الوجود العسكري في الغور أمراً قليل الأهمية.
ويرى الكاتب أن هذا التوجه خطير لأنه يفترض أن الدولة الأردنية في نظامها الحالي حقيقة غير مشكوك فيها ولا يأخذ في الحسبان خطر أن تتضرر الدولة الأردنية في حال تسلم الفلسطينيون المعابر، وأن يتوقف الأردن عن تقديم الخدمة المتوقعة منه أو أن يحصل تحول داخل الأردن نفسه لغير مصلحة (إسرائيل).
ويخلص الكاتب الى القول: "ان السيطرة الفلسطينية على مسار الأردن ومعابره ستضر بالأمن المشترك بين (إسرائيل) والأردن، وينبغي تذكر أنه يوجد خطر من حدوث تغيرات حادة في غير مصلحتنا في الأردن أو في محيطه العربي والاسلامي (إيران، العراق، سوريا، لبنان)، ما تشكل تهديداً شديداً على أمن (إسرائيل) من الشرق، ولهذا فإن السيطرة (الإسرائيلية) على الغور عظيمة الأهمية".
أطلس للدراسات