. الانتفاضة الثالثة يمنعها ضعف العمق العربي والإسلامي الداعم للفلسطينيين.
. الاحتلال يجب أن يواجه بطريقة منظمة ممنهجة وليس بالاحتجاج فقط.
. الاحتلال والسلطة يمتصان غضب أهل الضفة بطرق مختلفة.
رام الله – لمراسلنا الخاص
تتشابك الصور المحشوة في ذاكرة المدينة المقدسة متأرجحة بين عشرة أعوام رسمت خلالها عناوين متقاربة، ففي بدايتها تلك الصور الغاضبة لتدنيس أقدس أماكنها الإسلامية، وفي نهايتها صور مشابهة لتدنيسات متكررة تضرب عمق القلب ألماً وتسعى لوضع حجر أساس لخرافات ما لها من أساس.
وبين هذه وتلك تطغى لغة واحدة ينطق بها فتية وشبان أزقة القدس الذين لم تَرُق لهم صور التدنيس والترهيب في مقابل الخضوع والاستسلام، فجعلوا لحجارتهم متسعاً كي تأخذ الدور عن عبارات الشجب المقيتة والتنديد المتكررة، حتى نجحوا قبل عشرة أعوام في إشعال فتيل انتفاضة الأقصى، وهم الآن يحاولون استنهاض أرواحهم لإشعال أخرى جديدة علها تزيح عنهم ثقل احتلالٍ أمعن الظلم فيهم وحوّل مدينتهم إلى كنيس ضخم.
ولكن عدة أبعاد ومقاييس تفرض نفسها على كل تلك المحاولات، ثم تطرح تساؤلات عن إمكانية نجاح المقدسيين في إشعال انتفاضة ثالثة رفضاً لتمادي الاحتلال في تدنيس مقدساتهم، فبدأوا مرحلة الصمود داخل المدينة ومرّوا بمرحلة الرباط داخل الأقصى السليب حتى وصلوا إلى مرحلة الغضب العارم والهبة الشعبية التي أذاقت الاحتلال طعماً لم يعتده منذ مدة طويلة.
السبب عربي!
ومن جملة العوائق التي تقف حاجزاً أمام اندلاع انتفاضة ثالثة بحسب أصحاب هذا الرأي هو ضعف العمق العربي بل غيابه، لأن الفلسطينيين يستمدون روحهم المعنوية وقوتهم النفسية من امتدادهم العربي والإسلامي الذي خذلهم على مدار سنوات طويلة.
وفي هذا يقول المحلل السياسي عادل سمارة لـ" الرسالة نت " إن التخاذل العربي توّج بمطالبة الفلسطينيين من قبل وزراء الخارجية العرب بالذهاب لإجراء مفاوضات غير مباشرة مع الكيان الصهيوني، وهذا أبرز أشكال ضعف العمق العربي الذي باستطاعته إشعال أكبر فتيل للانتفاضة الشعبية الفلسطينية إذا قدم الدعم اللازم.
ولأن الانتفاضتين السابقتين حظيتا بدعم عربي معنوي للفلسطينيين فإن إشعالهما كان سريعاً، بينما الآن -كما يقول سمارة - فإن ما تمارسه دولة الاحتلال بحق البشر والحجر والشجر في فلسطين لم يعد يستنهض أدنى عزائم العرب ولم يعد يستفز أعصابهم كالسابق.
ويضيف: السبب يعود إلى نهج الحكومات العربية والنظام الرسمي المقيت الذي أدمى قلوب الشعوب، فإما أشغل السكان بالفقر الشديد أو بالغنى الشديد، وكلاهما يحول دون تذكر أولئك لأي قضية محيطة بهم أو الاكتراث بها، ومن ثم إلهاؤهم بقضايا تافهة تُعرِض عنها دول الغرب.
سبب داخلي
ضعف العمق العربي لم يطرح نفسه عائقاً وحيداً أمام اندلاع الانتفاضة الثالثة حسب المراقبين في الضفة، فظروف الفلسطينيين وأوضاع معيشتهم فرضت نفسها سداً أمام هبّة شعبية محتملة.
وضمن هذا الإطار يوضح سمارة أن الظروف الاقتصادية التي يعيشها الفلسطينيون أصبحت صعبة بشكل كبير يمنعهم من مواجهة الاحتلال، لافتاً إلى أن الكثيرين أمسى همهم البحث عن فرصة عمل أو السفر إلى الخارج أو تأمين أطفاله وبيته وعائلته والحرص على ألا يمسهم ضرر.
أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية عبد الستار قاسم فيرى أن الفلسطينيين تعرضوا لاستنزاف وطني وديني واجتماعي على مدار السنوات الطويلة، حتى وجدوا أنفسهم وحيدين مع حجارتهم أمام جيش كامل لا يتوانى عن قتلهم في أي لحظة، وتعرضوا لخيبة أمل كبيرة من أشقائهم العرب.
وتابع لـ:" الرسالة نت " :" الفلسطينيون في كل انتفاضة يقدمون التضحيات، ثم تأتي القيادة وتنهي الانتفاضة بمزيد من التنازلات، وهذا الأمر أصاب الشارع بخيبة أمل يفكر بعدها مئة مرة قبل بدء انتفاضة أخرى، هم وطنيون ولكنهم تعلموا أن القيادة تكذب عليهم وتفعل ما يحلو لها في الخفاء".
ويرى قاسم أن الانتفاضة هي شكل احتجاج فقط، وأن الاحتلال لا يحتاج إلى احتجاجات مؤقتة هنا وهناك، وإنما إلى مواجهة حقيقية منظمة مدروسة تعيد الأرض وتحرر الإنسان.
السلطة سبب رئيسي
ويقول أحد طلبة مدارس الضفة راويا ما حصل له أثناء محاولته رشق الحجارة على جنود الاحتلال:
" خرجنا من المدرسة بمسيرة لنتوجه إلى حاجز عسكري قريب من البلدة، وعندما اقتربنا فوجئنا بسيارات تابعة لأجهزة أمن السلطة تنصب حاجزاً منيعاً أمام أي أحد، فاعتقدنا أنها إجراءات أمنية لحمايتنا، ولكننا فوجئنا بانها نصبت لحماية جنود الاحتلال منا!، وبالفعل أقدمت عناصر السلطة على اعتقال كل من شارك في إلقاء الحجارة، ثم أمسك بي أحدهم وسألني إلى أين أنوي التوجه، فاخبرته بأننا خرجنا في مسيرة لنرشق جنود الاحتلال الذين ينوون هدم الأقصى، فصفعني ثم أنزلني أرضاً وضربني بقدمه، وأمرني بالعودة إلى منزلي مرددا عبارة (بدكم تخربوا بيتنا)".
و"خراب بيت" السلطة هذا يتمثل على ما يبدو في إشعال انتفاضة ثالثة، لأنها سعت منذ ثلاث سنوات مضت على امتصاص غضب الشارع الفلسطيني في الضفة المحتلة خوفاً من بدء انتفاضة تطيح بقادتها الذين تمرسوا الخيانة والتنسيق مع الاحتلال.
وليس أدل على ذلك إلا شهادة قائد جيش الاحتلال في الضفة الذي وصف أجهزة السلطة بالسريعة في التعامل مع احداث الشغب التي ينفذها شبان الضفة، مثنيا على عملها ومعترفاً بدورها الكبير في إخماد الاحتجاجات الفلسطينية كما ذكرت إذاعة الاحتلال على موقعها الإلكتروني يوم الأربعاء السابع عشر من آذار الحالي.
وتتعدد أشكال امتصاص الغضب التي تتبعها اجهزة السلطة وقوات الاحتلال، فهناك أولاً إغداق المشاريع الاقتصادية على أهالي الضفة وإغراقهم بالأموال شريطة عدم الاحتكاك مع الاحتلال وإلا سيتم فقدان كل هذه "النعم"، وثانياً تسيير مسيرات سلمية سطحية محدودة للتعبير عن رفض مخططات الاحتلال التي تشارك فيها السلطة فعلياً ولكنها تدّعي رفضها ظاهرياً، وكمثال على ذلك فإن حركة فتح نظمت يوم الثلاثاء ما أسمته بالوقفة التضامنية مع القدس، وما هي إلا تجمع لعدد من المواطنين الذين هتفوا بصوت متعب يصيبه الملل ضد تهويد القدس الشرقية!
ويتمثل الشكل الثالث بخداع الفلسطينيين بخطوات يقوم بها الاحتلال "للتسهيل" عليهم كفتح بعض الطرق المغلقة منذ انتفاضة الأقصى أو السماح لهم بالمرور بسياراتهم عبر حواجز عسكرية، وكأن هذا الأمر أصبح أقصى ما يتمنونه.
وحول ذلك يؤكد سمارة أن أجهزة أمن السلطة تمنع أي تحرك للاحتلال متبعة تعليمات الجنرال الأمريكي كيث دايتون في قمع أي شكل من أشكال المقاومة في الضفة حتى يتم تخدير الشعب إلى الأبد وإجباره على تناسي الاحتلال الرابض على أرضه، مضيفاً أن الحركة الحزبية في الضفة تضعف بشكل كبير ولا تعارض ممارسات السلطة بل ترخي العزائم أكثر فأكثر.
ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي رائد نعيرات لـ" الرسالة نت " إن الخيارات الجماهيرية العامة بحاجة إلى عقل جمعي عام الذي تفتقر إليه المرحلة الحالية، ورأى أنه لا توجد إمكانية لاندلاع انتفاضة ثالثة في ظل كل هذه المعطيات.
بوادر أمل
وليست الانفاضة الثالثة حلماً بعيد المنال كما يصورها المراقبون، بل هي واقع من الممكن أن يتم إذا أصر الشعب على رفض الاحتلال ولفظه من أرضهم، وفي هذا لا يمكن إلا الاستشهاد بكلمات بعض الفتية والشبان الذين شاركوا في مواجهات غضبة القدس والمقدسات.
فيقول الطفل أيمن (14 عاما):" أنا شاركت في المواجهات كي أحمي القدس، الاحتلال الآن يريد أن يأخذها منا ونحن لن نعطيها له، وسنبقى نرشقه بالحجارة حتى يخرج من هنا"، ويضيف الشاب معاذ (20 عاما):" نحن لم نخرج بقرار منظم من أحد، نحن رأينا الانتهاكات في القدس والمستوطنين وهم يحاولون دخول الأقصى فخرجنا عفوياً وواجهنا الاحتلال لنعبر عن رفضنا له"، ويزيد على ذلك الفتى محمود (17 عاما):" الجنود اليوم خافوا من حجارتنا ورأينا الخوف في عيونهم وكانوا غاضبين لأن المواجهات عادت تعم القدس، وإذا ما حاول مرة أخرى اللعب بمشاعرنا فسنرجمه مرة أخرى".
ويعيد صمود المقدسيين وهباتهم الشعبية ورباطهم داخل مساجدهم المهددة، اطمئناناً لأرواح الفلسطينيين المقيدين في الضفة وغزة، ولكنه يعدهم الصمود مطوّلا ولا يعدهم النصر إلا إذا كسروا قيودهم وهبّوا لنصرتهم.