تفسير الأحلام بين الحقيقة والوهم

غزة / ديانا طبيل

كثيراً ما تخرج الأحلام من عالمها إلى عالم الوعي، لتلعب دوراً مهماً في برمجة مزاج صاحبها، وفقاً لما جاء في سيناريو الحلم، فقد لا يرسم الحلم الخط البياني لمزاجنا في صبيحة النهار التالي فحسب، بل إنه قد يرسم الخط البياني لقراراتنا، خصوصاً حين نصحبه إلى واقعنا ليكون شريكاً حقيقياً في صنع القرار و الخيار، فإلى أي مدى نخضع لأحلامنا؟ وهل تستحق الأحلام أن تشاركنا في اتخاذ القرارات؟

 زوجتي ميتة

يصنف حسن شامية "44 عاما " نفسه من الناس الذين يسلمون بالحلم حلوه ومره، بأن الحلم السيئ يخيفه ويقبض على أنفاسه طيلة النهار ليعيش حالة من التوقعات الصعبة تستمر حتى حلول الظلام.

ويضيف: كثيرا ما تخيفني الأحلام،خاصة حين يتعلق الأمر بأحد أفراد عائلتي، ففي إحدى المرات حلمت بزوجتي ميته ،فصحوت مذعوراً لأواجه أطول يوم ممكن أن يمر على زوج فلم أذهب إلى العمل، ولم أتركها لحظة ، وكأني أحميها من الموت، مؤكدا انه احتاج إلى أسبوع كامل أمضها في الصلاة والدعاء ،حتى مر الكابوس بسلام .

أما رانية منصور " 25 عاما " فتأثير الأحلام في حياتها لا يقتصر على التفكير الطويل في ما رأته من تفاصيل الحلم، فكثيراً ما تصبح الأحلام شريكاً حقيقياً في صنع قرارتها، وحكاية زواجها واحدة من الإحداث التي تؤكد ذلك،وتقول : تقدم زوجي الحالي إلى خطبتي وفى نفس الليلة حلمت بأنني في حديقة غناء مليئة بالزهور والخضرة النضرة .

وتضيف: بناء على هذا الحلم وافقت على الزواج به بمجرد طلوع نهار اليوم الثاني فالحلم جاء مفسراً لنفسه بما يحمله من معاني سعيدة وبالفعل كان حلمي صادقاً لهذا اعتبره من "الرؤيا " الحقيقة ، معتبرة الأحلام بمثابة عالم يومي، تدخله كل ليلة لتخرج منه بشتى أنواع التنبؤات والإشارات، وصولها لهذه العلاقة مع الأحلام، يعود لقراءتها المستمرة لكتب تفسير الأحلام ، الأمر الذي يجعلها مقصد معارفها وأقاربها ممن يريدون تفسير أحلامهم .

الأحلام السوداوية

"الأحلام السوداوية" هي التي تؤثر في الناس فقط، بهذه الكلمات بدأ أسامة الشيخ خليل حديثه لـ" الرسالة " عن هوسه بالأحلام ، مؤكداً أنه من الذين يوسوسون بحلمهم إذا كان ذا دلالات سلبية ، لهذا يتمنى في كل ليلة ألا يرى حلماً قط حتى لا يراوده طيلة النهار .

ويتذكر الشيخ خليل كيف رأى في حلمه ذات مرة أن أفراد أسرته يبكون ويلطمون وجوههم، فأفاق وكأن صخرة جاثمة فوق صدره. ويقول: عملت على تكذيب مشاعري طوال اليوم، فتجاهلت ما جاء في الحلم محاولاً ألا أنجرف وراءه، ولكنه تمكن مني وحولني إلى أسير له حتى تحقق بموت أحد أخوتي فجأة، موضحاً أنه يعتمد في تفسير أحلامه على مواقع الإنترنت المليئة بمعاني كل حلم.

أما أشرف المغربي " 33 عاما " فيرفض الأحلام جملة وتفصيلاً ويعتبرها بمثابة "هلوسات " يخزنها العقل الباطن لا تقدم ولا تؤخر في حياته شيئاً والسبب كما يقول، اقتناعه بأن الحلم الجميل هو ثمرة تفكير صاحبه في موضوع يتمناه ويحبه، والحلم البشع عبارة عن خوف صاحبه من حدوث ما يكره حدوثه.

 يضيف: لهذا لا علاقة للأحلام بحياتنا لأنها مجرد أوهام تمر في المنام وتنتهي بمجرد أن نصحو من النوم،أما الرؤيا الصادقة فأعتقد أن لها شروط من الصعب جدا توافرها بمجتمع اليوم لذا ما نحلم به اليوم هي مجرد سلوكيات مخزنة في عقلنا الباطن .

 فلسفة الإسلام

من جهته يقول الدكتور ماهر السوسي نائب عميد كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية أن الأحلام بصفة عامة أمر بعيد كل البعد عن فلسفة الإسلام الواقعية المبنية على منطق العقل والتفكير والعمل والسلوك والانسجام الكامل بين سلوكيات حياتنا وما نعيشه من واقع .

و يضيف الرؤى في الأصل تُطلق على ما يراه الإنسان في نومه ، وتكون حقّاً من عند الله تعالى بما تحمله من بشارة أو نذارة ، لقوله صلى الله عليه وسلم: " الرؤيا الصادقة من الله " . وفي المقابل هناك منامات مبعثها وساوس الشيطان وعبثه بالإنسان ، ويعبّر عنها بالأحلام، لقوله صلى الله عليه وسلم: " الحلم من الشيطان " ، ولقوله أيضا : "إن الرؤيا ثلاث ، منها : أهاويل من الشيطان ليحزن بها بن آدم " .

وبين هذين النوعين نوعٌ ثالث ، هو مجرد تفاعل للنفس تجاه الواقع الذي تعيشه، والمواقف التي نمر بها، فتستخرج مخزون ما نراه أو نعيشه، وذلك ما يسمّى بأضغاث الأحلام وأحاديث النفس التي لا تعبير لها ، ولا يجوز البحث في تفسيرها وتأويلها أو الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات الإنسان أو بناء معالم حياته عليها كما يفعل الكثيرون

أما كيف يتعامل المرء مع هذه الأحلام أو الرؤى فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم من رأى الرؤيا الصالحة أن يستبشر بها ، وألا يحدّث بها إلا لمحب أو عالم أو ناصح ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب " أما إن كان ما رآه من جنس الأحلام المزعجة وتلاعبات الشيطان، فقد أرشد النبي – صلى الله عليه وسلم – صاحبها بأحد أربعة أمور : أن يتعوّذ بالله من شرّ الشيطان وشرّ ما رآه ، وأن يبصق عن يساره ثلاثاً ، وأن يتحوّل من شقّه الذي ينام عليه إلى الشق الآخر ، وألا يخبر بها أحداً .

ومن الخطورة أن يستوضح صاحب الرؤيا أو يطلب تأويلها ، فقد تكون سبباً في هلاكه أو وقوع الضرر به ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الرؤيا تقع على ما تعبر ، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها ، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحاً أو عالماً ).

ويستطرد السوسي قائلاً : للرؤيا الصادقة شروط قلما توجد اليوم ومنها أن يكون الإنسان على طهارة قبل نومه ، لديه ثقة كبيرة في الله تعالى وإيمان شديد وموثوق وان يكون بطبعه إنسانا صادقاً لا يكذب ومؤد ما عليه من طاعات وواجبات وأعمال .

أضغاث الأحلام

من جهته يقول الأخصائي النفسي أسامة بركات أن الأحلام كلها تقبل التفسير، من خلال الرموز والمعاني القابلة للتحليل، والربط بين وقائع الحلم وخلفية الشخص الحالم، لهذا فما من حلم لا يحتمل التفسير، والسبب أن الأحلام تأتي نتيجة تضارب وتشابك في تنظيم المعلومات الموجودة في الذاكرة، التي تحتوي على كم هائل من المعلومات، ليس فقط التي جمعها الفرد أثناء حياته، بل ما ورثها من آبائه وأجداده عبر آلاف السنين، كما هو في مفهوم اللاشعور الجمعي عند عالم النفس الشهير"كارل غوستاف يونغ".

ويقسم بركات الأحلام إلى أنواع عدة، فيقول: هناك أحلام تحذيرية تلفت انتباه الحالم إلى الأخطار المحدقة به، وهناك أحلام تنبئية تلفت انتباهنا إلى ما نرغب في الحصول عليه، ونوع آخر هو عبارة عن إعادة تنظيم للجهاز النفسي، حيث يكون فيه الحلم لا معنى له وغير قابل للتفسير، لكن من حيث الوظيفة فهو مهم جداً. وهناك نوع من الأحلام يحل المشاكل التي يصعب على الفرد حلها في اليقظة، إضافة إلى أحلام الرؤيا والأحلام العبثية، أو ما يسمى أضغاث الأحلام والكوابيس.

ويضيف: تحدث الأحلام في أغلب الأحيان في مرحلة النوم السريع التي يكون فيها التنفس سريعاً، وهناك قابلية لحدوثه في كل مراحل النوم المختلفة ، مؤكداً وجود بعض الاختلافات بين الأفراد في نوع وعدد الحلم وهذا يرجع إلى طبيعة شخصية وبيئة الفرد وكم الخبرات التي يمر بها.

 

 

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من سياسي