مشاهد غابت عن أرض الضفة سنوات طويلة منذ أن وضعتها السلطة في ركن الهدوء المنظم والمفروض قسرا بسياسات خبيثة بدأت من الترغيب ووصلت إلى الترهيب خاصة بحق أنصار التيار الإسلامي الذين ما رضوا الخنوع يوما، فكانت السجون والأصفاد والعصي نصيبهم دوما.
ومنذ بدء العدوان الهمجي على قطاع غزة حتى بدأ الضغط يولد انفجارات متتالية لدى أهالي الضفة التي عانت الكثير من سياسات المحتل وأعوانه، فكانت المسيرات الغاضبة ثم المواجهات مع الاحتلال وحتى مع سلطة أوسلو وصولا إلى استشهاد عدد من الشبان وتطور نوعي في أساليب الغضب الشعبي.
القمع لم يجدِ
وتعددت الوسائل التي حاولت من خلالها أطراف عدة أن تخمد نبض الضفة خاصة منذ بدء العدوان على القطاع لتنفذ أجندات معينة توأد من خلالها روح المقاومة في كل مكان.
ويقول الشاب حسن عمران من الخليل لـ"الرسالة نت" إن الاحتلال منذ بدء العدوان على القطاع وهو يحاول أن يحافظ على الهدوء في الضفة رغم أن المواجهات اندلعت بشكل عنيف منذ جريمة قتل الشهيد محمد أبو خضير، فحاول أن يقدم بعض التسهيلات على الحواجز العسكرية ولكن ذلك لم يجد نفعا.
ويلفت عمران إلى أن المواجهات العنيفة التي شهدتها الضفة منذ جريمة أبو خضير إلى العدوان على القطاع تبين مدى الغضب الشعبي الذي يشعر به أهالي الضفة ويفرغونه بالمسيرات والمواجهات التي لم تشهدها الضفة منذ سنوات من حيث العنف وإلحاق الضرر والخسائر بممتلكات الاحتلال ومستوطنيه.
من جهته يقول الشاب أيمن الرابي من رام الله لـ"الرسالة نت" إن العدوان على الأهل في قطاع غزة جاء ليكمل سلسلة الغضب التي امتلأت في قلوب أهالي الضفة، ولكن السلطة كانت طرفا في القمع للأسف من أجل ترك غزة وحيدة تصارع الاحتلال دون أي مساندة شعبية.
ويضيف:" نتفاجأ بالمفارقات التي تملأ السلطة فهي تدعو الشعب عبر وسائل الإعلام إلى التضامن الواسع مع غزة وفي الوقت ذاته تقوم أجهزتها الأمنية بقمع المظاهرات والمسيرات والاشتباك مع الشبان وإصابة العديد منهم كما حدث عند بيت إيل ومدينة نابلس، وهذه المرة الأولى منذ أشهر التي يحدث فيها اشتباك مع السلطة لأنها تريد قمع شعبها".
ولا يخفى على أحد نية السلطة في إعادة سيطرتها على قطاع غزة بل يذهب كثيرون إلى أنها ترقب من بعيد سير العمليات العسكرية هناك آملة إنهاء وجود حماس وقوتها العسكرية كي تعيد زمن أوسلو إلى القطاع والتنسيق الأمني.
السلطة في خطر
ويرى المراقبون والمحللون بأن قيام الاحتلال بقمع التظاهرات أمر طبيعي لأنه احتلال يدافع عن جنونه في قطاع غزة؛ ولكن قمع السلطة للغضب الشعبي يعود إلى دورها الأمني المطلوب منها.
ويقول المحلل السياسي وأستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت نشأت الأقطش لـ"الرسالة نت" إن قمع أجهزة السلطة للمسيرات والتظاهرات والاشتباك مع الشبان جزء من اتفاقية التنسيق الأمني التي وقعتها السلطة مع الاحتلال فتقوم بما هو مطلوب منها في ضبط الأمن؛ ومعنى ذلك قمع المتظاهرين ومنعهم من الوصول إلى خطوط التماس مع الاحتلال.
ويشير إلى أن تساؤلات كثيرة تدور في أذهان المواطنين حول دور السلطة أو إمكانية أن يتمرد عناصرها فيطلقوا الرصاص صوب جنود الاحتلال؛ وأن هناك خطا أحمر خطيرا قد يحدد مصير السلطة إذا استمرت المقاومة في غزة بالاستبسال وجذب الرأي العام نحوها.
ويتابع: "هناك الكثير من المواطنين ممن لا يؤيدون حماس والجهاد أيدلوجيا بدأوا ينحازون إليهما ويلفظون نهج التسوية؛ وإن استمر الوضع على ما هو عليه باستبسال المقاومة وانتصارها ووقوف الحرب وفقا لشروطها فالعملية السلمية والسلطة هما الخاسر الأكبر".
ومع استمرار ري الشهداء بدمائهم لأرض الضفة والقطاع والقدس والأراضي المحتلة يكتب التاريخ سطورا جديدة تغير مرحلة كاملة من الجمود والخنوع فرضها الاحتلال مع أعوانه من أزلام التنسيق الأمني، فربما تكون الانتفاضة الثالثة عنوانا واضحا للأيام القادمة.. وإن غدا لناظره قريب.