من يقرأ تفاصيل استشهاد عائلة المهندس إبراهيم الكيلاني، سيختمها بالمثل الشعبي: "يا هارب من قضاي مالك رب سواي".
تحمل العائلة الجنسية الألمانية. كان الوالد إبراهيم قد أنهى مكالمة قادمة من برلين، تطالبه بمغادرة غزة، "سأغادر فور انتهاء العدوان"، ختم بها حديثه، ثم وضع السماعة.
في الأثناء، كان نجله ياسر (18 عاما) يحدّث أصدقائه من العاصمة الألمانية عبر الفيسبوك، عن السحابة السوداء التي غيَّمت على أهالي حي الشجاعية، ويرسل لهم صور الأطفال والنساء الشهداء.
الأم، كانت تضع آخر أطباق الطعام على منضدة المطبخ، ويساعدها أطفالها ياسمين وسوسن وريم اللواتي تجاوزن عقدهن الأول. الفتي الثاني إلياس (14عاما) غارق في نومه، ينتظر موعد الإفطار.
عند هنا، انتهت حياة العائلة. الخاتمة كتبها صاروخ إسرائيلي ثقيل أغار على برج السلام الذي تقطنه العائلة، وأطبق على خمسة أدوار. ارتقى 24 شهيدا وأصيب 120 آخرين.
العائلة لم تجد "السلام" في البرج بعدما نزحت إليه قادمة من مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، حيث كانت تقطن منزلا ملاصقا لأحد المساجد هناك.
قوة الانفجار غيّرت ملامح المكان. احتاج الأمر إلى ساعات لتتمكن طواقم الدفاع المدني من انتشال الجثامين. لم يكن هذا بالأمر السهل. النبش سيكون من أسفل خمسة طوابق اسمنتية.
استدعى ذلك إحضار الآلات الثقيلة، ساعة تمضي وتتبعها أخرى، والطواقم عاجزة عن إخراج من تحت الأنقاض، كمن يبحث عن إبرة في كومة قش.
بعض الجثامين وصلت غير مكتملة إلى مجمع الشفاء الطبي. كانت وسائل الإعلام في استقبالها هناك. من بين الإعلاميين، سُمع شهيق مصوّر فضائية الأقصى إبراهيم مسلّم حين كان يوثّق الجريمة بعدسته: "ابن خالي، ابن خالي" يشير بإصبعه إلى جثمان ياسر، من بين سبعة جثامين متراصّة عند نهاية الصالة.
ارتفع مستوى الفاجعة لدى المصوّر إبراهيم حين عرِف أن السبعة جثامين هي لخاله وأسرته. لم يملك حينها القدرة على حمل كاميرته. سحبه بعض أصدقائه إلى كرسيّ في رواق مجاور ليهدئوا من روعه. قال والصدمة تتملكه: "لم أكن أتخيل في يوم من الأيام أنني سألتقط صورا لشهداء من أقاربي".
وضِعت عائلة الكيلاني في سبعة أكياس من النايلون، لأنه لن يكون بإمكان قطعة القماش البيضاء استيعاب الأشلاء.
خجولة، بزغت شمس النهار التالي للجريمة. انتفض أهالي بيت لاهيا غضبا على ما حل بأبنهم وعائلته.
على غير المعهود، صلّى الناس على العائلة في المقبرة قبل أن توارى الثرى. والسبب كما ذكرنا سلفا، المساجد في غزة معرضة للقصف.
مع كل كيس كان يوضع في أحشاء الأرض، كان يعلو بكاء جميل، أخ الشهيد إبراهيم. جارفة كانت الدموع على خدّيه.
"كان إبراهيم يرفض أن يخرج من المنزل، لكن بعد أن بدأ الاحتلال بقصف المساجد، أخذ عائلته وخرج"، لكنه بنزوحه لم يهرب من القدر.
المار من أمام برج السلام الذي ارتقى فيه عشرات الأطفال والنساء، فيما بقيت بعض الأجساد تحت الأنقاض، لن يبرح المكان حتى يذرف دمعتين ويلهج بقليل من الدعاء ليرحم الله الشهداء.