انضم المواطن محمد المدهون عشرون عاما، إلى طابور طويل من المواطنين، كان يصطف امام مخبز الخولي الواقع شمال مدينة غزة، بانتظار مجيء دوره في الحصول على حصة خبز طازجة.
المدهون الذي جاء منذ ساعات الصباح الأولى، في ظل نفاد مخزونه المنزلي من الدقيق والوقود، يقول إنه بات يواجه معضلة يومية تتمثل في البحث عن الخبز، مؤكدا أن كثافة المواطنين أمام المخابز يزيد من مخاطر تعرضهم للقصف كما جرى في حادثة سوق الشجاعية.
وعلق الشاب وهو يلتفت يمينا ويسارا متفقدا صوت الغارات المتتالية: "هذا ذل ليس بعده ذل.. إسرائيل تحاول أن تعيدنا إلى زمن الهجرة التي كان فيها أجدادنا يبحثون عن رغيف الخبز، لكننا قادرين على الصمود".
وتفرق الجمع المصطف أمام المخبز أكثر من مرة بعد سماع أصوات دوي انفجارات قريبة من المكان، ما لبث أن عاد مجددا.
ويعيد المشهد للأذهان ذكريات النكبة الفلسطينية عام 1948، حيث يصطف المواطنون الفلسطينيون في غزة، على شكل طوابير ممتدة أمام المخابز بانتظار الحصول على حصتهم المقدرة بـ2.5 كيلو من الخبز، بمقابل 7 شواكل.
ويخشى المواطنون الذين هرعوا إلى مراكز الإيواء التابعة إلى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) والذين يزيد عددهم عن 200ألف مواطن، من انقطاع المأكل والمشرب خلال الايام القادمة مع استمرار عملية القصف على القطاع، دون وجود أفق لإنهاء العدوان.
ويعلق المواطنون المصطفين عين على باب المخبز في انتظار الحصول على الحصة، والعين الاخرى على السماء للنظر إلى الصواريخ التي تهوي فوق رؤوسهم بين حين وآخر.
ويقف الحاج أبو حمدي في الستين من عمره، أمام مخبز "الشنطي" في شارع الجلاء وسط مدينة غزة، يضرب كفا بكف على الحال الذي يعايشه السكان المدنيين، وقال صارخا "نحن نحتاج كرامة وشهامة عربية اكثر من حاجتنا إلى رغيف خبز".
وتابع الحاج أبو حمدي وهو من سكان حي الصفطاوي شمال مدينة غزة: "لقد مللنا الذل والاهانة، نقتل ونذبح ونبحث عن رغيف الخبز، والزعامات العربية تقف موقف المتفرج منا.. كيف يمكن لغزة ان تصمد في وجه هذا الصاروخ ما لم تساندها الدول العربية".
ويتخوف محمد حرب وهو صاحب مخبز مقام غرب مدينة غزة، من اطلاق الطائرات الحربية صواريخها باتجاه المواطنين المجتمعين بالعشرات أمام مخبزه، متسائلا "من يضمن الا تستخدم اسرائيل القوة في تفريق هؤلاء المواطنين الذين جاؤوا لشراء الخبز؟ لقد فعلتها مرارا وقصفت تجمعات للمواطنين!".
ولا يجد حرب بدا من تلبية احتياجات المواطنين، رغم خطورة الأجواء التي يعملون فيها، وبخاصة أنهم يعملون طيلة ساعات الليل حتى بزوغ النهار، وقال مستاءً "ما ذنب هؤلاء الناس ليعرضوا حياتهم للخطر في مقابل رغيف خبز؟". ولفت مالك المخبز إلى أنه لا يوجد لديهم مخزون كافي من الوقود اللازم لتشغيل الآلات.
ويوضح أحمد حجو وهو عامل في احد المخابز بمدينة غزة، أنهم يضطروا لخبز نحو 100 شوال طحين يومياً، وذلك لتلبية احتياجات المواطنين، مؤكدا انهم في اوقات سابقة كانوا يخبزون ما بين 20-25 شوالا من الطحين.
ويعاني أهالي قطاع غزة من اوضاع اجتماعية واقتصادية غاية في الصعوبة، جراء فقدان المنازل للاحتياجات الاساسية من مأكل ومشرب، فضلا عن تضرر الغذاء نتيجة انقطاع التيار الكهربائي عن المنازل لليوم الثالث على التوالي، الناجم عن قصف الاحتلال لخزانات الوقود الخاصة بمحطة توليد الطاقة الوحيدة في قطاع غزة.
ويفيد مكتب تنسيق المساعدات الإنسانية التابع للأمم المتحدة، بأنه وفي أعقاب الضرر الذي تعرضت له محطة توليد الكهرباء، فإنه يتم تزويد مدينة غزة بالكهرباء لحوالي ساعتين يوميا، فيما لا تصل الكهرباء بتاتا للمناطق الواقعة في المنطقة الوسطى.
وقال مكتب تنسيق المساعدات الأممي إن الدمار الذي حل بمحطة توليد كهرباء غزة سيكون له أثره على الأسر المعيشية الخاصة والشركات وتوفير الخدمات العامة.. إن المنشآت بحاجة لأن تعتمد على المولدات، وهو أمر مكلف وينطوي على مخاطر نشوب الحرائق. وعلاوة على ذلك، فإن التقارير تفيد بعدم توفر الوقود في السوق المحلي".
وبذلك سيبقى المواطنون معلقين بحبال الوقود المشغل للمخابز، وإذا ما انتهى مخزون تلك المخابز فإن الجوع سيهدد الآلاف من الناس.
(عدسة: محمود أبو حصيرة)