تصغير الخط تكبير الخط
ميرفت عوف- الرسالة نت

استجاب المواطن أبو مازن - 65 عامًا- لقرار الحي الذي يسكن فيه بضرورة حفر بئر مائية تخدم الحي بأكمله في ضوء ازمة شح المياه التي يعانونها دون الحصول على رخصة، وهو ما دفعه لتقديم حصته المالية وتقدر بألف شيكل.

يقول أبو مازن إن دوافعه لذلك هي انقطاع المياه عن بيته المكون من ثلاثة أدوار لمدة تزيد عن ثلاثة أسابيع في بعض الاحيان، الأمر الذي يخلق أزمة كبيرة لا تُحل حتى بجلب المياه المحلاة ذات التكلفة العالية.

أبو مازن هو واحد من مجموع المواطنين الذين أقدموا مؤخرا على حفر آبار عشوائية بهدف ضمان وصول المياه إلى منازلهم دون انقطاع، رغم أن ذلك أصبح يشكل ظاهرة خطرة تهدد الخزان الجوفي الساحلي الذي يعتمد عليه قطاع غزة كمصدر رئيس في استخراج المياه.

وبينما يعاني الخزان الجوفي في قطاع غزة من عجز في الموازنة المائية متراكم يقدر سنويا من 80-100 مليون متر مكعب، لا يتوان عدد من المواطنين عن حفر الآبار بشكل غير منظم ومتواصل دون وجود رادع حقيقي يضع حدا لمرتكبي هذه الانتهاكات التي تفاقم أزمة المياه في القطاع، وتنذر بكارثة مائية مستقبلًا حسب نتائج تحقيق ، فضلا عن كشفه عن خطورة تلك الآبار على صحة المواطنين على ضوء امكانية تلوثها بالميكروبات بصفتها مياها سطحية يسهل تسلل الأسمدة الكيماوية لها من خلال التربة الزراعية.

عدة مخاطر

وبدون الحصول على رخصة، حاول أهالي منطقة النصر الغربي اقامة بئر مائية لتغطية احتياجات الحي الذي يعاني شح المياه منذ أكثر من عامين.

على ضوء اقامة هذه البئر، لا يلقي (أبو أحمد) بالا للاستهلاك الذي يصل حد التبذير، على ضوء ري حديقة منزله بشكل يومي، فضلا عن غسل سيارته، دون أن يضعه الأمر أمام مسؤولية وطنية، وبخاصة أن جيرانا محيطين محرومون من المياه لأيام.

 يعاقب بالحبس لمدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن سنة أو بغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد عن خمسة آلاف دينار أو بما يعادها بالعملة المتداولة كل من قام بحفر الآبار الجوفية بدون ترخيص

هذا دفعنا للوقوف على قانونية هذه الابار، فأجاب مدير عام الشئون التنظيمية المكلف في سلطة المياه المهندس سامح أبو زعنونة، بشكل واضح أنها "مخالفة للقانون"، وبخاصة أنه من الضروري اجراء دراسة فنية للتأكد من حاجة المنتفع بهذه البئر ومن ثم تنظيم عملية الحفر وإدارتها وفقا للشروط التي تضعها سلطة المياه.

وقال أبو زعنونة: "يجب ضمان سلامة المياه التي تصل إلى المنازل من البئر المحفورة بطريقة شخصية، حيث أن آبار البلدية مراقبة بشكل مستمر ودوري للتأكد من خلوها من التلوث الميكروبي وهذا ما تفتقده الآبار العشوائية".

وأضاف: "امتلاك المواطنين لآبار مخالفة غير خاضع للإشراف والرقابة من شأنه أن يبذر المياه ويستخدمها في غير محلها خاصة أنهم لا يضطرون إلى دفع فاتورة".

وأشار إلى أن خطر الاستنزاف والاهدار ذاك يشكل فجوة كبيرة وعائقا أمام معرفة ما يدخل ويخرج من الخزان الجوفي وبالتالي آلية رصد الموازنة المائية تصبح غير صحيحة.

وقال أبو زعنونة: "القانون يحملنا مسئولية مكافحة هذه الظاهرة، لكنه للأسف في ظل ضعف الإمكانيات، وضغط المواطنين تعذر علينا التحكم في الظاهرة أو القضاء عليها"، موضحا أن هناك فقر في الإمكانيات سواء البشرية كالشرطة والبلديات أو مادية مثل الأدوات والمركبات.

نتائج فحوصات

ولا تكترث (أم سامي) لشرب أبناءها مياه البئر المقامة على طرف أرضهم الزراعية الواقعة إلى الغرب من المحافظة الوسطى، حيث أن عذوبة المياه تنسيها ما يمكن أن تحمله من مخاطر على صحة ابنائها.

وتجهل الأم أن ابناءها الخمسة قد يكونون عرضة لخطر التسمم، على إثر ما يمكن أن تحمله مياه الشرب من ملوثات على ضوء افتقاد البئر إلى جهاز فلترة وأخر للكلورة.

على إثر ذلك قامت بتحليل عينة من إحدى الآبار المنزلية الموجودة في منطقة غرب غزة، فأظهرت الفحوصات المخبرية أن نسبة التوصيل الكهربائي في العينة 6400 وهذا يعني أنها غير صالحة لشرب.

ووفقا للفحوصات تبين أن كمية الكلوريد في العينة شكل 1774 mg/L فيما تنص المعايير الصحية على ألا تزيد الكمية عن 250 mg/L، وهذا يعني أن النسبة سبعة أضعاف الحد المسموح به.

عدد الآبار في قطاع غزة بلغ 8 آلاف بئر منها 3 آلاف فقط تحمل رخصة من سلطة المياه و5 آلاف بئر عشوائية حفرت بطرق مخالفة للقانون

وفيما يتعلق بالنترات أظهرت العينة وجود 125.2 في حين أنه من المفترض ألا تزيد عن 50 وفق منظمة الصحة العالمية، وذلك يعني أنها أكثر من ضعف الحد المسموح به.

ووفقا لمدير عام سلطة المياه مازن البنا فإن عدد الآبار في قطاع غزة بلغ 8 آلاف بئر منها 3 آلاف فقط تحمل رخصة من سلطة المياه و5 آلاف بئر عشوائية حفرت بطرق مخالفة للقانون. 2000 بئر مخالف أعد للاستخدام المنزلي و3 آلاف بئر زراعية تستخدم في ري المحاصيل، حسب البنا.

بدوره أكد رئيس قسم البيئة وعلوم الأرض في الجامعة الإسلامية زياد أبو هين أن العملية العشوائية في حفر الآبار تشكل مشكلتين إحداهما مائية تتمثل في إلحاق الضرر بالخزان الجوفي والأخرى بيئة تتمثل في الأثر السلبي على البيئة الفلسطينية.

ويوضح أبو هين أن عدم إدارة العدد المهول جدًا من الآبار سيؤدي مستقبلا إلى انخفاض مستوي الخزان الجوفي خاصة أن المواطن يستخدم هذه الآبار بكميات كبيرة دون حسيب ولا رقيب، كما قال.

ولفت إلى أن عملية حفر الآبار في مناطق متقاربة يتسبب في هبوط مستوى الخزان الجوفي كون هناك قواعد علمية وحسابات يجب أن تتخذ لتحديد المسافة الأدنى التي يجب أن تكون بين البئر والأخرى.

وقال أبو هين: "هذه الآبار تفتقد إلى أجهزة الفلترة أو الكلورة وبالتالي قد يسبب استخدامها مضار صحية خاصة أنها في الغالب آبار سطحية يكون قد وصلها التلوث من الأسمدة والمبيدات الحشرية".

أزمة كبري

وحاولت الوقوف على حجم استهلاك مياه الري التي يستخدمها المزارعون، فوجدت أن عدد كبير من المزارعين اقاموا ابارا في اراضيهم بدون ترخيص، واستخدموها ايضا للشرب والاعمال المنزلية.

وهذا الأمر رأى فيه مدير الإدارة العامة للتربة والري المهندس نزار الوحيدي، أنه يؤثر سلبا على الخزان الجوفي.

وقال الوحيدي "إن المواطن الذي يبحث عن حل لمشكلة المياه عبر حفر بئر، يؤثر بشكل كبير في خلق ازمة في الخزان الجوفي الذي يجب أن يعد ملكية عامة ووحيدة".

وأوضح الوحيدي أن ضرر هذه الابار العشوائية كبير جدا، مؤكدا أن حفر الآبار في المنطقة الساحلية على عمق كيلو متر واحد يفتح المجال لتسرب مياه البحر للخزان الجوفي.

وينوه إلى أن الآبار التي يحفرها المواطنون بالقرب من المناطق الزراعية على اعتبار انها اكثر عذوبة، يشوبها الكثير من الخطورة خصوصا أنه قد يصلها متبقيات الأسمدة والمبيدات والمواد الزراعية الكيمائية الأخرى من خلال تسرب المياه من التربة خاصة الرملية سريعة النفاذ إلى الخزان الجوفي.

ويدعو الوحيدي إلى تعميم ثقافة عدم التعدي على المياه بحجة شحها، وقال أنه يجب على الجميع أن يأخذ دورًا في مكافحة الأمر سواء المسجد أو المؤسسات المدنية أو وسائل الإعلام، ثم بعد ذلك يأتي دور الجهات الرسمية في معاقبة الخارجين عن القانون لكن ليس قبل التوعية التي يجب أن نبدأ بها، على حد تعبير الوحيدي.

قوانين المياه

يفترض في حالة وجود تعديات كحفر الآبار دون تراخيص أن يقدم محضر ضبط بالمخالفة للنيابة ثم يتم تحويله للقضاء ليمثل مرتكب المخالفة أمامه حسب نصوص قانون المياه، ورغم أن قانون المياه الفلسطيني رادع وصارم إلا أن القضاء يصدر أحكاما مخففة، باعتراف الجهات المسؤولة.

في المادة "35" من قانون المياه الفلسطيني لعام 2002م ، "يعاقب بالحبس لمدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن سنة أو بغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد عن خمسة آلاف دينار أو بما يعادها بالعملة المتداولة كل من قام بحفر الآبار الجوفية بدون ترخيص أو خالف شروط الرخصة الممنوحة له"، كما أن للمحكمة حسب مادة "36" أن تحكم على الشخص المدان بحفر الآبار بدفع قيمة الأضرار التي نتجت عن المخالفة وإلزامه بإزالة أسبابها وآثارها وإعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل ارتكابها وإذا تخلف عن ذلك تأمر الجهات المختصة بتنفيذ تلك الأعمال والرجوع إلى المحكوم عليه بجميع نفقاتها.

قوانين غير رادعة

واحساسا بالمشكلة وتفاقمها على ضوء ضعف الاحكام القضائية وعدم ردعها للمخالفين، شدد النائب العام إسماعيل جبر على أهمية العمل بصرامة واتخاذ إجراءات أكثر شدة في التعامل مع التعديات على المياه.

كما شدد على ضرورة مصادرة المضبوطات المتعلقة بالمقاولين، مع معاقبة المتعدين، مقدما وعدا بإنجاز الأمر في المرحلة القادمة، وبخاصة أن النيابة تقف إلى جانب سلطة المياه في ملاحقة المخالفين وردع المقاولين وتقديمهم للعدالة.

وعبر النائب العام عن أمله في تضافر الجهود من أجل مواجهة التعديات على المياه"، مطالبًا القضاء الفلسطيني بأن تكون أحكامه أكثر تشديدا على الاشخاص المتعدين على المياه ولا سيما حفارو الابار.

ملاحقة ومنع

وحاولت الوقوف على حجم الملاحقة الشرطية للمخالفين والحفارين الذين يتسترون بالليل لأجل انجاز مهماتهم المتعلقة بحفر الابار، فوجدت أن جهاز الشرطة قد اعطى تعليمات صارمة لعناصره من أجل الملاحقة حتى في فترات الليل.

ويؤكد نائب مدير عام العمليات المركزية بجهاز الشرطة، العقيد أسامة حسونة أن هناك تعليمات من جهات عليا بإنهاء هذه الظاهرة لخطورتها على مستقبل المياه.

وقال لـ: "أنه يتم الآن اتخاذ خطوات عديدة لوقف عملية حفر الآبار بدأت بملاحقة المقاولين، بعد أن جرى انذارهم في وقت سابق، بعدم الإقدام على الحفر دون ترخيص"، مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة ستتركز ملاحقتهم للآبار القديمة غير المرخصة ايضا، وذلك بالتعاون مع سلطة المياه في كل المحافظات.

ويشير حسونة إلى أنه تم ضبط العديد من حالات الحفر وصودرت الآلات والمعدات المستخدمة كما جرى توقيف صاحب البئر والمقاول معا.

دور البلدية

في المقابل طالب سعد الدين الابطش مدير عام المياه والصرف الصحي في بلدية غزة، سلطة المياه بضرورة اعطاء حيز قانوني لجهة البلدية من أجل الوقوف على حاجة المواطنين لحفر الابار قبل منحهم التراخيص.

وبحسب قانون المياه، فالبلدية غير مخولة بمنح التراخيص وتقتصر مسئوليتها على الابار الخاصة بها.

ويشير الاطبش إلى ضرورة اعطاء هامش من المرونة في حفر الابار للمناطق النائية، لكنه شدد على ضرورة محاربة الآبار المخصصة "للترف" كبرك سباحة.

وقال "يجب أن تقوم الجهات المعنية بتحديد الأحقية أولا ثم تقوم باتخاذ إجراءات اعتيادية مثل تركيب عدادات تعرفة لتحديد حجم الاستهلاك، وفحص الماء ومن ثم مراقبة البئر من الناحية الصحية والإنتاجية".

ولكن في المقابل، فإن مدير عام المالية ببلدية غزة فايز المحلاوي، أوضح أن بلديته تفرض قيمة 25 شيكل شهريا على البيوت المستفيدة من الابار المخالفة، بدل صرف صحي.