تراجع الهجرة إلى "إسرائيل" وارتفاع النزوح منها.. حرب غزة تكشف تصدّع المشروع الديمغرافي الصهيوني

تراجع الهجرة إلى "إسرائيل" وارتفاع النزوح منها.. حرب غزة تكشف تصدّع المشروع الديمغرافي الصهيوني
تراجع الهجرة إلى "إسرائيل" وارتفاع النزوح منها.. حرب غزة تكشف تصدّع المشروع الديمغرافي الصهيوني

الرسالة نت- متابعة 

كشفت بيانات رسمية صادرة عن دائرة الإحصاءات المركزية في "إسرائيل" عن تراجعٍ حادّ في أعداد المهاجرين اليهود الواصلين إلى الأراضي المحتلة خلال العامين الماضيين، مقابل زيادة كبيرة في الهجرة العكسية إلى الخارج، ما يشير إلى أزمة ديمغرافية غير مسبوقة تهدد إحدى ركائز المشروع الصهيوني منذ تأسيس الدولة عام 1948.

وبحسب الأرقام المنشورة، انخفض عدد المهاجرين إلى "إسرائيل" من 75 ألفاً عام 2022 إلى أقل من 47 ألفاً في 2023، وهو العام الذي اندلعت فيه حرب "طوفان الأقصى"، ثم تواصل التراجع خلال عام 2024 ليصل إلى 31 ألف مهاجر فقط.

ويمثل ذلك انخفاضاً بنسبة 38% في العام الأول للحرب، و33% إضافية في العام الثاني، مقارنة بالعام الذي سبقهما.

ويرى محللون أن الحرب على غزة وما رافقها من صدمة أمنية واجتماعية داخل المجتمع الإسرائيلي، دفعت كثيرين من اليهود القادمين من روسيا وأوكرانيا والغرب إلى التراجع عن قرار "العودة"، بعد أن تبخّرت أسطورة الأمن التي لطالما رُوّج لها كأحد دوافع الهجرة إلى "أرض الميعاد".

تحولات في خريطة المهاجرين

وتوضح البيانات أن نحو 71% من المهاجرين في 2023 جاءوا من روسيا، و5% فقط من الولايات المتحدة وأوكرانيا، في حين شكّل القادمون من أوروبا عام 2024 ما نسبته 79% من مجموع المهاجرين، أغلبهم أيضاً من روسيا وبيلاروس، مع تراجع واضح للهجرة من آسيا وإفريقيا.

ويشير ذلك إلى تقلّص قاعدة التنوع الجغرافي للهجرة اليهودية، واعتماد "إسرائيل" شبه الكامل على المهاجرين الروس، الذين يتأثرون مباشرة بتقلبات الحرب في أوكرانيا والعقوبات الدولية.

هجرة عكسية متصاعدة

في المقابل، تصاعدت أعداد المهاجرين العكسيين من "إسرائيل" إلى الخارج إلى 83 ألف شخص عام 2024، وهو أعلى رقم منذ عقود، بعد أن كانت لا تتجاوز 40 ألفاً سنوياً في المتوسط بين عامي 2010 و2020.

وشهد العام الأول لحرب غزة قفزة كبيرة وصلت إلى 59 ألف مغادر، تلتها موجة نزوح جديدة في أعقاب الحرب مع إيران في منتصف 2025، حيث فرّ الآلاف بحراً نحو قبرص واليونان، وارتفع عدد المغادرين من 7 آلاف في يونيو/حزيران إلى أكثر من 10 آلاف في أغسطس/آب.

ويرجّح الخبراء أن هذه الموجة تشمل بشكل خاص العقول العلمية والتقنية من مهندسين وأطباء وعمال في قطاع التكنولوجيا، الذين غادرت معهم شركات كبرى كانت تشكّل ركيزة الاقتصاد الإسرائيلي. ويعني ذلك أن "إسرائيل" لا تفقد أعداداً سكانية فحسب، بل تخسر نخبتها الإنتاجية والضريبية أيضاً.

أزمة هوية وثقة

ويصف محللون إسرائيليون هذه الظاهرة بأنها "أخطر من أي تهديد عسكري"، إذ تعكس انهيار الثقة في مستقبل الكيان، خصوصاً بين فئة الشباب التي تمثل 39% من المهاجرين للخارج العام الماضي.

كما أظهرت استطلاعات أن ربع السكان يفكرون جدياً في الهجرة، خاصة بعد اتساع الفجوة الاجتماعية بين المتدينين الحريديم وسكان المدن العلمانيين، وتصاعد الاحتجاجات ضد حكومة نتنياهو وأزمة النظام القضائي.

ديمغرافيا في الاتجاه المعاكس

ومنذ قيامها، اعتمدت "إسرائيل" على الهجرة الخارجية كأداة استراتيجية لترسيخ وجودها وتفوقها العددي على الفلسطينيين، إلا أن الواقع اليوم يسير عكس تلك الفرضية.

فبينما تتراجع الهجرة الوافدة وتزداد المغادرة، يجد الكيان نفسه أمام نزيف ديمغرافي واقتصادي متسارع، يعمّقه استمرار حرب غزة، واهتزاز صورة "إسرائيل القوية" في الداخل والخارج.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن ما بعد "طوفان الأقصى" لا يقتصر على تغيير معادلات القوة في غزة، بل يفتح الباب أمام تحول ديمغرافي يعيد تعريف مستقبل "إسرائيل" ذاتها.