في غزة، لا ينتهي الموت عند اللحظة التي تتوقف فيها القذائف. هناك موتٌ آخر، أقسى وأفجع… موت بلا قبور. آلاف الجثامين ما تزال تحت الركام منذ شهور طويلة، بلا إمكانية للانتشال، ولا حقّ في وداعٍ أخير. بيوت سُوّيت بالأرض، ومستشفيات تهدمت فوق من فيها.
ورغم النداءات المحلية والدولية بضرورة إدخال المعدات الثقيلة لإنقاذ من يمكن إنقاذه، أو استخراج جثامين الشهداء، يواصل الاحتلال منع دخول أي آلية قادرة على الحفر أو الرفع أو إزالة الخرسانة.
في المقابل، تُفتح الحدود، وتُخصّص مسارات دبلوماسية عاجلة لإدخال نفس المعدات، لكن باتجاهٍ واحد فقط: استخراج جثامين الأسرى (الإسرائيليين) من مناطق يسيطر عليها الاحتلال داخل قطاع غزة، تحت إشراف أميركي وأوروبي.
التمييز الصارخ لا يحتاج شرحًا؛ فهو يُشهد يوميًا على الملأ. بينما ينتظر الفلسطينيون إخراج أحبّتهم منذ أكثر من عامين تتدفق فرق أجنبية وخبراء ومعدّات حديثة لإنقاذ جثة إسرائيلية واحدة.
حقوقيون يقولون إن المشهد وحده يكشف انهيار المنظومة الإنسانية: جثة تعامل كحدث دولي عاجل… وجثامين تُترك في العراء أو تحت الأنقاض بلا كرامة.
عند أحد مواقع الدمار، تجلس "أم محمد"، زوجة شهيد مفقود منذ أكثر من سبعة أشهر. بيتهم في بيت حانون قصفته طائرات الاحتلال بينما ذهب لإحضار طعام وسد جوع أبنائه، فابتلعت الأنقاض زوجها واثنين من أفراد عائلته. ومنذ ذلك اليوم، لا أحد استطاع استخراجهم. صوتها متقطع، ودموعها لا تتوقف وهي تقول للرسالة نت: "بدّي قبر لزوجي… ما بدي شيء من الدنيا. سبعة شهور وأنا بنتظر. ولاده كل يوم بسألوني: وين بابا؟ ليش ما إله قبر؟ كيف بدي أجاوبهم؟"
تضيف أم محمد وهي تنظر إلى أكوام الركام التي كانت يومًا منزلًا وحياة: "العالم بيدخل آليات عشان جثة إسرائيلية، طيب وين إنسانيتهم؟ إحنا مش بشر؟ بدنا بس نطلع شهداءنا وندفنهم بكرامة."
تتوقف عن الكلام للحظات، تبكي بصوتٍ موجع قائلة: "يا عالم… ابعتولنا جرافات… ابعتولنا آليات… آلاف تحت الركام. بدهم بس كفن وقبر."
المتحدثة باسم أهالي المفقودين، شهد الشرفا، وصفت هذا المشهد بأنه عنوانٌ صارخ لازدواجية المعايير في العالم. تقول للرسالة نت: "منذ أشهر نناشد المجتمع الدولي، نرسل رسائل، نقف في وقفات، نطالب فقط بآلات ثقيلة لإنقاذ من يمكن إنقاذه أو انتشال الشهداء. ولا عمليات إنقاذ… ولا مسارات إنسانية… ولا استجابة."
وتضيف الشرفا: "لكن عندما يتعلق الأمر بجثة إسرائيلية واحدة، نرى الدول الكبرى تفتح المعابر، وتتحرك الدبلوماسية، وتُرسل المعدات الثقيلة والفرق المتخصصة. هذا تمييز غير أخلاقي وغير إنساني."
وتوجه نداءها للعالم: "أنظروا بعين الإنسانية… هؤلاء ليسوا أرقامًا. هؤلاء آباء وأمهات وأطفال. نحن لا نطلب معجزة، فقط نطلب حقًا بسيطًا… أن ندفن موتانا."
الناشطة الحقوقية زينب الخالدي استنكرت سياسة الكيل بمكيالين التي يتعامل بها المجتمع الدولي مع ملف المفقودين في غزة، مؤكدةً أن القانون الدولي لا يميّز بين جثة وأخرى، ولا يجيز حرمان أي إنسان من حق الدفن.
وقالت الخالدي في تصريح لـ"الرسالة نت": "ترك آلاف الجثامين تحت الأنقاض جريمة إنسانية، ليست أقل بشاعة من القصف نفسه. الدفن حق، والبحث عن الجثامين حق، ومنع ذلك انتهاك صريح لاتفاقيات جنيف."
وتتابع: "العالم يتحرك من أجل جثمان إسرائيلي واحد بينما في غزة هناك 10 آلاف مفقود، وربما أكثر. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، هؤلاء بشر ينتظرهم أهلهم."
شعب يدفن شهداءه في العراء
في المقابل، لا تزال المقابر المؤقتة تنتشر في مناطق مختلفة من القطاع، بعضها في أراضٍ مفتوحة، وبعضها في الحدائق، وبعضها بين الركام. تُدفن الجثامين في أكياس بلاستيكية، دون توثيق أو أسماء، فقط لأن الاحتلال يمنع دخول أدوات الحفر والدفن.
ويقول مختصون إن آلاف الجثامين التي لا تزال تحت الأنقاض تتعرض للتحلل، ما سيجعل التعرف عليها لاحقًا شبه مستحيل… لتحوّل من قضية إنسانية إلى جرحٍ دائم في ذاكرة الفلسطينيين.
هنا في غزة، يواجه الفلسطينيون موتًا من نوعٍ مختلف: موتًا بلا قبر… وبلا وداع… وبلا كرامة.
في وقت يضع فيه العالم معدات ثقيلة ودبلوماسية رفيعة لإنقاذ جثةٍ واحدة، يظل الفلسطينيون ينتظرون من ينتشل أبناءهم.
تختم أم محمد حديثها بكلمات تختصر كل شيء: "زوجي شهيد… بس ما إلو قبر. أول ما تطلع آليات إنقاذ لغزة… أنا راح أوقف قدام ركام بيتنا، يمكن ألاقيه… يمكن أدفنه… يمكن أرتاح."
وفي غزة…إذا كانت العدالة لا تصل إلى الأحياء، فكيف ستصل إلى الموتى؟