في تطوّر ميداني خطير يعيد رسم خريطة التوتر في قطاع غزة، تتصاعد التحذيرات الفلسطينية من خروقات إسرائيلية “منهجية” لاتفاق وقف إطلاق النار، عبر دفع الخطّ الأصفر يوميًا باتجاه الغرب، الأمر الذي يعمّق المأساة الإنسانية ويهدّد بانهيار الاتفاق الهشّ الذي دخل حيّز التنفيذ منذ العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وفي تصريح صحفي شديد اللهجة، أكدت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن ما يقوم به جيش الاحتلال من إزالة العلامات الصفراء والتقدم غربًا، بالتزامن مع غارات جوية وقصف مدفعي مكثف على المناطق الشرقية، يمثّل خرقًا فاضحًا لاتفاق وقف إطلاق النار، ويحوّل المناطق السكنية إلى ساحات نزوح جديدة.
وأضافت الحركة أن “الخروقات الصهيونية الممنهجة” أدت إلى ارتقاء مئات الشهداء، وتسبّبت في تغييرات خطيرة في خطوط الانسحاب بشكل يخالف الخرائط التي جرى التفاهم حولها مع الوسطاء.
ودعت حماس الوسطاء، وخاصة الإدارة الأمريكية، إلى “تحمل مسؤولياتهم”، وإلزام الاحتلال بالتوقّف عن فرض أمرٍ واقع جديد داخل القطاع.
المحلل السياسي وسام عفيفة وصف ما شهده القطاع خلال الليلة الماضية بأنه “ليلة حرب كاملة”، من حيث حجم القصف والانفجارات والغارات الجوية، مؤكدًا أن الاحتلال يعيد “هندسة جغرافية” نصف مساحة القطاع تقريبًا عبر سياسة الأرض المحروقة.
ويرى عفيفة أن ما يحدث عند الخط الأصفر لا يمكن اعتباره مجرد خرق محدود، بل محاولة متقدمة لتغيير معادلات السيطرة قبل الدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق، ما يجعل مستقبل التفاهمات أكثر هشاشة وتعقيدًا.
نزوح جديد قسري
وقال الدفاع المدني في غزة إن تقديم الخط الأصفر مسافة 250 مترًا في مناطق شرق القطاع أجبر مئات العائلات على النزوح قسرًا، في اتجاه مناطق لا تتوفر فيها أدنى مقومات الحياة.
وأكد أن التوسع العسكري الإسرائيلي عند الخط الأصفر يعيد إنتاج مشهد المأساة في مناطق يُفترض أنها آمنة وفق الاتفاق، ويحوّلها إلى خطوط تماس متجددة.
ولم يعد الخط الأصفر مجرد فاصل بين شرق القطاع وغربه، إذ يفصل بين مناطق انتشار الجيش الإسرائيلي التي تصل إلى 53% من مساحة غزة، والمناطق التي يسمح للفلسطينيين بالتحرك فيها.
التحركات الإسرائيلية عند هذا الخط — وفق مصادر فلسطينية — تُرسّخ معادلة جديدة من السيطرة والتمدد، وتجعل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار واقعًا محفوفًا بالتوتر والانفجار.
وفي بيان رسمي، أكد المكتب الإعلامي الحكومي أن الاحتلال لم يكتفِ بالمجزرة التي ارتكبها مؤخرا في غزة وخانيونس، والتي أسفرت عن 25 شهيدًا بينهم أسرة كاملة وأطفال، بل نفذ خرقًا جديدًا عبر التوغل في المنطقة الشرقية من مدينة غزة.
وأشار البيان إلى أن الاحتلال غيّر أماكن تموضع العلامات الصفراء، موسّعًا المنطقة التي يسيطر عليها بمسافة تصل إلى 300 متر في شوارع الشعف والنزاز وبغداد، ما أدى إلى محاصرة عشرات العائلات ومنعها من الخروج، وسط قصف كثيف يهدد حياة المئات.
وأكد المكتب أن هذه الخروقات ليست استثناءً، بل تأتي ضمن سلسلة تجاوزات تجاوز عددها 400 خرق منذ بدء سريان وقف إطلاق النار، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 300 فلسطيني وإصابة مئات آخرين.
صمت عن جرائم مستمرة
وانتقد البيان “العجز الدولي” أمام الجرائم المتواصلة، مشيرًا إلى أن استمرار الاحتلال في خرق الاتفاق يهدد المسار الإنساني ويقوّض كل الجهود الرامية لفتح ممرات الحياة والسماح بدخول الاحتياجات الأساسية من غذاء وإيواء وصحة وبنى تحتية.
وطالب المكتب الإعلامي الحكومة الأمريكية — بوصفها أبرز ضامن للاتفاق — بالتحرك الجاد لمنع الاحتلال من تقويض البروتوكول الإنساني وجرّ القطاع إلى جولة جديدة من العنف.
وتجمع القراءات السياسية والإنسانية على أن التقدّم الإسرائيلي عند الخط الأصفر لم يعد مجرد حركة تكتيكية؛ بل خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة توزيع السيطرة شرق القطاع، وفرض واقع جديد قبل أي ترتيبات مستقبلية.
وبينما تزداد الخروقات اليومية، وتتوسع دائرة النزوح، ويُستهدف المدنيون بشكل متكرر، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ينجح الوسطاء في لجم التصعيد وإنقاذ ما تبقى من اتفاق وقف النار؟ أم أن غزة تتجه نحو انفجار جديد يبدأ من عند الخط الأصفر؟