رولا أبو سلطان، البالغة 27 عامًا، تستيقظ كل صباح على أصوات طفلَيها، عصام (7 سنوات) وليان (4 سنوات)، بالنسبة لهما، الحياة تستمر بين المدرسة والروضة، لكن غياب والدهم ضياء منذ 7 أكتوبر 2023 يثقل كل يوم من أيامهما.
كل صباح يبدأان بسؤال واحد: “أين بابا؟”، فتبتسم رولا باهتة وتجيب: “بابا سافر ورح يرجع”، محاولةً أن تمنحهما شعورًا بالأمان رغم الواقع المؤلم.
“أول ما فاتت ليان الروضة تعبت كتير ونامت بالمستشفى… لما كل الأطفال يروحهم آباؤهم، وهي بتسأل ليش أبوها ما يجي وصارت ما بدها ترجع روضتها”، تقول رولا بصوت مملوء بالحزن.
عصام وليان، الذي اعتادا على دفء الأب وحضنه، يعيشان صراعًا يوميًا مع الشوق والغموض، بينما تحاول رولا حماية قلبهما وبراءتهما من ألم الغياب، وهي تعيش كسر قلبها كل يوم بالانتظار الطويل.
رولا تتحمل الألم اليومي من أجل أطفالها وأملها في معرفة مصير زوجها المفقود. “مش خايفة من الحقيقة… بس خايفة من يوم أضطر أحكيلهم إن بابا يمكن ما يرجع”، تعكس كلماتها الصراع النفسي بين تمسكها بالأمل وخوفها على أطفالها وشوقها لرؤية زوجها.
روتين يومي وحياة متقطعة
كل صباح، تجهز رولا عصام للمدرسة وليان للروضة، محاولةً أن تجعل يومهما طبيعيًا قدر الإمكان، لكنها تعرف أن غياب الأب يترك فراغًا كبيرًا. في المدرسة، يلاحظ المعلمون شوق عصام الدائم لوالده، وسرعة تأثر ليان بالبكاء كلما تحدثت عن آبائهم مع صديقاتها.
أما رولا، فتجلس بعد عودتهم في صمت، تفكر في آخر أخبار زوجها، في الأخبار المتقطعة عبر وسائل الإعلام، أو أي معلومة من أقارب آخرين فقدوا أحبائهم أو من الأسرى الذين يخرجون من سجون الاحتلال.
المفقودون والمختفون قسرًا
قصتها جزء من مأساة أكبر يعيشها آلاف العائلات في غزة. منذ اندلاع الحرب الأخيرة، عاد تصنيف “مفقود” إلى الواجهة، وتزايدت أعداد المفقودين يومًا بعد يوم، شهداء ومواطنون اختفوا في ظروف مختلفة، تبخر أجساد الشهداء، تحوّلها إلى أشلاء، بقاء أعداد كبيرة تحت الأنقاض بسبب منع الاحتلال إدخال المعدات الثقيلة، بالإضافة إلى حالات الاعتقال والإخفاء القسري، ووفق المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسرًا، يصل عدد المفقودين في غزة إلى نحو 10 آلاف.
العشرات من الجثامين التي سلّمها الاحتلال مؤخرًا كانت متحللة ودون أسماء، ما أجبر الأهالي على مراقبة الصور ومحاولة التعرف على أبنائهم من خلال الملابس أو العلامات المميزة.
وفي بعض الحالات، كان أقل من ثلث الجثامين معروفًا لأهاليهم، بينما دفنت وزارة الصحة البقية في مقابر مستحدثة، بعد وضعها في ثلاجات في محاولة لإطالة الوقت أمام الأهالي للتعرف على أحبائهم.
التعرف على الجثامين
برغم ذلك، لم تستطع رولا مواجهة الصور بنفسها. بصوت حزين متقطع، تقول:“حاولت أروح أشوف صور الجثامين بنفسي… كنت أتمنى أتعرف على زوجي، بس ما قدرت أواجه المشهد. الرعب والحزن كانوا أقوى مني… وقعدت أحس بصراع كبير جواتي بين الفضول والألم اللي بيثقل قلبي، وبنفس الوقت أنا حاسة أنه عايش بقول يمكن لسا أسير.”
وتحاول رولا كل يوم أن تمنح أطفالها شعورًا بالأمان، وأن تبقي الأمل حيًا في قلبهم، لكنها لا تستطيع إخفاء ألمها عند رؤية دموعهم وشوقهم لوالدهم الغائب.
وعن حديثها مع طفليها، تحكي:“في المساء، بجلس جنب عصام وليان وبحكي لهم عن والدهم ضياء… عن ضحكاته وكلماته، وعن اللحظات الصغيرة اللي كنا نقضيها سويًا قبل الغياب. بالذكريات بحاول أهدّي أسئلتهم المتكررة وأزرع في قلبهم شعور بالأمان.”
وبينما ينامان أخيرًا، يظل الأمل خافتًا في عينيها، لكنها تصمد يومًا بعد يوم… بين الشوق والانتظار، وبين الذكريات والحلم بلحظة لقاء قد تأتي أو تبقى حلمًا بعيدًا، ومع كل ليلة، تشعر رولا بأن قوتها الحقيقية ليست فقط في صبرها، بل في قدرتها على الحفاظ على طفولتهم وذكرياتهم، رغم فقدان والدهم، هذا الأمل الصغير هو ما يبقيها مستمرة، يومًا بعد يوم، في مواجهة ألم المجهول.