لم يكن تعديل خريطة في كتاب مدرسي حدثًا عابرًا في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بلبنان، بل تحوّل إلى قضية وطنية فجّرت غضبًا واسعًا في المخيمات الفلسطينية. فحين غاب اسم فلسطين عن خريطة وردت في كتاب جغرافيا مخصص لطلبة الصف السادس، وحلّت مكانه تسميتا "الضفة الغربية" و"قطاع غزة"، شعر اللاجئون أن ذاكرتهم الجماعية وحقهم التاريخي يتعرضان لمحاولة شطب ممنهجة.
وسرعان ما خرجت الاحتجاجات من حدود الصفوف الدراسية إلى ساحات المدارس والمخيمات، في مشهد يعكس حساسية المناهج التعليمية بوصفها إحدى آخر قلاع الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية في الشتات.
الخطوة، التي اعتبرها اللاجئون الفلسطينيون تجاوزًا خطيرًا للثوابت الوطنية، فجّرت احتجاجات شعبية شملت معظم المخيمات الفلسطينية في لبنان، وسط اتهامات مباشرة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بمحاولة طمس الهوية الوطنية وشطب الذاكرة الجمعية للاجئين، وضرب حق العودة في صميمه.
خريطة تتحول إلى وقود غضب
الكتاب المثير للجدل هو جزء من مادة إثرائية مخصصة لطلبة الصف السادس الأساسي للعام الدراسي 2025–2026. وبحسب معلمين وأهالٍ، فقد تضمّن خريطة لفلسطين التاريخية جرى فيها استبدال الاسم بسهمين يشيران إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، دون الإشارة إلى فلسطين ككيان جغرافي وتاريخي جامع.
وسرعان ما تحولت الخريطة إلى وقود لغضب مكتوم، إذ شهدت مدارس الأونروا حالة من الاضطراب، وامتنع عدد من الطلبة عن الالتحاق بصفوفهم، فيما أقدم أهالٍ وطلبة على تمزيق نسخ الكتاب وإحراقها داخل ساحات المدارس وفي محيطها، في مشهد غير مسبوق يعكس حجم الغضب الشعبي.
وشارك في التحركات طلبة وأهالٍ من 61 مدرسة تديرها الأونروا في مختلف المناطق اللبنانية، من طرابلس شمالًا، حيث مخيما نهر البارد والبداوي، مرورًا بمخيمات بيروت، وصولًا إلى صيدا جنوبًا، وتحديدًا مخيم عين الحلوة.
وتضم هذه المدارس نحو 35 ألف طالب فلسطيني، وتشكل الركيزة الأساسية للتعليم الرسمي لأبناء اللاجئين في لبنان.
ارتباك داخل مدارس الأونروا
لم يقتصر المشهد على الاحتجاجات الخارجية، بل امتد الارتباك إلى داخل مدارس الأونروا نفسها. فالكادر التعليمي والإداري الفلسطيني، الذي وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الأهالي والطلبة، أكد أن الكتاب، رغم تصنيفه "إثرائيًا"، يتضمن تعديلًا واضحًا ومباشرًا على الخريطة.
ويشير معلمون إلى أن تأخر اكتشاف التعديل، رغم انطلاق العام الدراسي في تشرين الأول/أكتوبر 2025، يثير تساؤلات حول آليات المراجعة والرقابة داخل الوكالة، خصوصًا أن الكتاب ظل يُدرّس لعدة أشهر قبل أن ينفجر الجدل حوله.
رد الأونروا.. وتبريرات لا تُقنع
في رد رسمي على استفسارات صحفية، قالت الأونروا في بيروت إنها تعتمد مناهج الدول المضيفة وتستخدم الكتب الرسمية المعتمدة فيها، موضحة أنها في لبنان تدرّس المنهج الوطني اللبناني، ومنه كتاب الجغرافيا للصف السادس "أضواء على جغرافية لبنان والعالم العربي"، مؤكدة أنها لم تُجرِ أي تعديلات على الكتب المدرسية الرسمية.
وأضافت أن كتاب الجغرافيا "الإثرائي" هو أداة تعليمية إضافية أنتجتها لدعم الكتاب الأساسي، ويهدف إلى تعزيز مهارات التفكير النقدي وقراءة الخرائط والتحليل لدى الطلبة، مشيرة إلى أن بعض المعلومات تُركت مفتوحة لتشجيع النقاش والاستكشاف داخل الصف.
كما شددت الوكالة على احترامها العميق للهوية الوطنية والتاريخية للاجئين الفلسطينيين، والتزامها بحماية كرامتهم وحقوقهم.
غير أن هذه التبريرات لم تُقنع المحتجين، الذين رأوا في ما جرى تجاوزًا للإطار التربوي، وخطوة خطيرة تمس جوهر الرواية الوطنية الفلسطينية.
اتهامات سياسية وتحذيرات من طمس الهوية
مدير منظمة "ثابت لحق العودة" سامي حمود قال إن هذه الوقفات تأتي ضمن سلسلة تحركات شعبية لإيصال رسالة واضحة إلى إدارة الأونروا بأن سياساتها "تدمر ما تبقى من مقومات صمود شعبنا، وتمس بجوهر دور الوكالة".
وأضاف أن إدارات سابقة للأونروا، رغم كل التقليصات، لم تقدم على خطوات مماثلة، معتبرًا أن شطب اسم فلسطين من المناهج التعليمية يعني عمليًا طمس الوعي الفلسطيني ومحو الذاكرة الوطنية لدى الأجيال.
من جهته، رأى عضو لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين محمد ديب أن الأونروا تجاوزت مسألة التقليصات في الخدمات، وبات الاستهداف يمس صلب دورها وجوهر القضية الوطنية، مؤكدًا أن خروج اللاجئين واعتصاماتهم هو تعبير عن تمسكهم بهويتهم وقضيتهم التي ناضلوا من أجلها عقودًا طويلة.
الجدل لم يتوقف عند حدود الأونروا، بل فتح باب التساؤلات حول دور وزارة التربية اللبنانية، المعنية رسميًا بالكتب المدرسية المعتمدة على الأراضي اللبنانية. فلبنان، الذي يعترف رسميًا بفلسطين كأرض محتلة، لم يصدر عنه حتى الآن أي موقف رسمي، رغم إحراق مئات النسخ من الكتاب على مرأى وسائل الإعلام.
وفي هذا السياق، قال مدير عام "الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين" علي هويدي إن حذف اسم فلسطين ليس خطأً إداريًا أو تقنيًا، بل "جريمة وطنية موصوفة"، مطالبًا بسحب الكتاب وإتلافه رسميًا، وإصدار اعتذار علني للاجئين الفلسطينيين.
وأكد هويدي أن ما جرى يتقاطع مع محاولات أوسع لتفريغ مناهج الأونروا من محتواها الوطني، في مخالفة صريحة للمادة 29 من اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص على تعزيز الهوية الوطنية للتلاميذ.
في المخيمات، يتفق الأهالي والطلبة على أن القضية لا تتعلق بكتاب أو خريطة فحسب، بل بمحاولة إعادة تعريف فلسطين في وعي الأجيال الجديدة. وتؤكد أصوات المحتجين أن فلسطين ستبقى حاضرة في الذاكرة والوجدان، مهما تعددت محاولات طمسها أو اختزالها في تسميات مجتزأة.
وبينما تلتزم الأونروا الصمت إزاء مطالب الاعتذار وسحب الكتاب رسميًا، تتواصل التحركات الشعبية، في معركة يرى فيها اللاجئون أنها ليست تعليمية فقط، بل معركة وجود وكرامة وحق لا يسقط بالتقادم.