يعيش سوق العمل في قطاع غزة واحدة من أكثر مراحله قتامة وتعقيدا منذ عقود، في ظل تداخل عوامل الحرب والدمار والحصار مع انهيار شبه كامل للقطاعات الاقتصادية المنتجة.
ولم تعد البطالة مجرد ظاهرة اجتماعية ناتجة عن أزمات مؤقتة، بل تحولت إلى واقع يومي يفرض نفسه على معظم الأسر، مهددا الأمن المعيشي والاستقرار الاجتماعي بشكل غير مسبوق.
وفي الوقت الذي تتقلص فيه فرص العمل إلى حدودها الدنيا، تشهد أسعار السلع الأساسية والخدمات ارتفاعا حادا ومتواصلا، ما فاقم معاناة المواطنين، خاصة أولئك الذين فقدوا مصادر دخلهم بشكل كامل.
هذا التناقض القاسي بين انعدام الدخل وغلاء المعيشة حول الحياة اليومية في غزة إلى صراع مفتوح من أجل البقاء، في ظل غياب شبكات أمان اقتصادية حقيقية.
ووفق بيان مشترك صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد ضمن الحصاد الاقتصادي لعام 2025، تجاوز معدل البطالة في قطاع غزة 77%، في مؤشر خطير يعكس حالة الشلل شبه الكامل في سوق العمل، وانتقال الأزمة من حالة ركود اقتصادي إلى انهيار هيكلي يطال دورة الإنتاج بكاملها.
انهيار اقتصادي شامل
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن قطاع غزة يشهد واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، حيث تراجع الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 84% مقارنة بعام 2023، واستمر الانكماش خلال عام 2025 بنسبة إضافية بلغت 8.7%.
هذا التراجع الحاد جاء نتيجة التدمير الواسع للبنية التحتية وتعطل قطاعات حيوية مثل الإنشاءات والصناعة والزراعة والخدمات.
كما أدى الإحباط الجماعي وانعدام الأفق إلى تراجع نسبة المشاركة في القوى العاملة، حيث انسحب آلاف المواطنين من سوق العمل بعد فقدان الأمل في العثور على فرص عمل، ما زاد من تعقيد الأزمة.
ومع تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، تحول المجتمع في غزة من منطق الإنتاج إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية.
وحذرت الجهات الرسمية من أن استمرار هذا الواقع سيجعل البطالة الخطر الأكبر على مستقبل التنمية والاستقرار الاجتماعي، مؤكدة أن أي أفق للإنقاذ يبدأ بفتح مسارات فعلية لإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد، كشرط أساسي لوقف هذا الانحدار المتسارع.
معاناة العمال
ويقول خالد عبد القادر، وهو عامل في الأربعينيات من عمره: "كنت أعمل في مصنع منذ سنوات طويلة، وكان دخلي الشهري يصل إلى 1600 شيكل، بالكاد يكفينا، لكنه كان يمنحني كرامة الاعتماد على نفسي، لكن قصف المصنع الذي كان يعمل فيه دمّر مصدر رزقه الوحيد، وحوله فجأة إلى واحد من آلاف العاطلين عن العمل".
ويضيف خالد: "منذ ذلك اليوم تغيرت حياتي بالكامل، أصبحت أستيقظ كل صباح بلا عمل، بلا دخل، وبلا قدرة على تلبية احتياجات أسرتي الأساسية، الأسعار ترتفع بشكل جنوني وأنا عاجز حتى عن شراء أبسط المستلزمات".
ولفت إلى أن هذا الواقع جعله يعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات، بعد أن كان عنصرا منتجا في سوق العمل.
ويختم حديثه بحسرة: "أصعب ما في البطالة ليس الفقر فقط، بل الشعور بالعجز، كنت أعمل بيدي واليوم أنتظر سلة غذائية أو مساعدة طارئة، لم أكن أتخيل أن أصل إلى هذا الحال".
أما سائد الدحدوح، الذي كان يعمل في سوق الصحابة بمدينة غزة، فتجسد قصته وجها آخر من معاناة سوق العمل في غزة.
ويقول: "كنت أعمل يوميا لأعيل أسرتي، ولم أكن أملك الكثير، لكنني كنت أعيش بكرامة، خلال الحرب، تعرضت لإصابة بالغة أدت إلى بتر قدمه اليمنى، ما غيّر مسار حياتي بالكامل".
ويتابع سائد: "لم أفقد عملي فقط، بل فقدت قدرتي الجسدية على العمل، أصبحت من ذوي الاحتياجات الخاصة في لحظة واحدة، دون أي تجهيز أو دعم حقيقي".
ويؤكد أن فرص العمل لذوي الإعاقة في غزة شبه معدومة، خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي العام.
ويضيف بأسى: "أشعر أن الحرب لم تسرق صحتي فقط، بل سلبتني مستقبلي، كنت أعتمد على نفسي، واليوم أواجه البطالة والإعاقة وغلاء المعيشة في وقت واحد".
قصة سائد تختصر مأساة آلاف المصابين الذين خرجوا من سوق العمل قسرا، دون بدائل أو حماية اجتماعية.
وتكشف هذه الشهادات والبيانات الرسمية حجم الكارثة التي يعيشها سوق العمل في قطاع غزة، حيث تداخلت البطالة وارتفاع الأسعار وتدمير مصادر الإنتاج في حلقة مفرغة من الفقر والعجز.
وفي ظل غياب حلول جذرية، تبقى إعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد أملا وحيدا لوقف الانهيار، وإنقاذ ما تبقى من القدرة على العيش الكريم.