في ظل واقع اقتصادي هش يعيشه قطاع غزة بعد الحرب، يجد المواطنون أنفسهم أمام أزمات مركبة لا تتعلق فقط بفقدان مصادر الدخل، بل تمتد إلى تعقيد أبسط الحقوق المالية، وعلى رأسها الحق في الوصول إلى الخدمات المصرفية.
ومع ازدياد الحاجة للتعاملات البنكية سواء لتلقي مساعدات أو إدارة أعمال بسيطة، برزت أزمة جديدة عنوانها رفض بنك فلسطين الاعتراف ببطاقات الهوية الصادرة عن وزارة الداخلية في غزة.
هذه الأزمة لم تبقَ في إطار الإجراءات الإدارية، بل تحولت إلى معاناة يومية لآلاف المواطنين الذين اصطدموا بقرارات مصرفية حالت دون فتح حسابات بنكية لهم، رغم امتلاكهم وثائق رسمية معترف بها من جهات حكومية فلسطينية. الأمر الذي أدى إلى تعطيل مصالحهم وحرمانهم من حقهم في التعامل المالي الآمن والمنظم.
وتكمن خطورة هذا الملف في تداعياته غير المباشرة، حيث أسهم هذا الرفض في ظهور ممارسات مالية خطرة، أبرزها ظاهرة "تأجير الحسابات البنكية"، ما يفتح الباب أمام مخاطر قانونية واقتصادية قد تهدد ما تبقى من استقرار مالي في القطاع.
رفض رسمي
وأفادت مصادر إعلامية بامتناع بنك فلسطين عن قبول بطاقات الهوية الشخصية الصادرة عن الشق المدني بوزارة الداخلية في قطاع غزة كوثيقة إثبات شخصية رسمية في معاملاته المصرفية.
وتشير المصادر إلى أن هذه البطاقات تُصدر حاليا وفق الآلية القانونية نفسها التي كانت متبعة قبل الحرب، بعد تجاوز العقبات الفنية التي حالت دون طباعتها خلال الأشهر الماضية.
ولم يقتصر الرفض على بطاقة الهوية الدائمة، بل شمل أيضا "بطاقة التعريف المؤقتة" التي صدرت كبديل طارئ خلال فترة الحرب، لتغطية احتياجات المواطنين الذين فقدوا أوراقهم الرسمية أو تعذر إصدار هويات دائمة لهم آنذاك.
ويأتي هذا الموقف في وقت أعلنت فيه وزارة الداخلية في رام الله اعترافها الرسمي بالوثيقتين، مع توجيهات واضحة لسلطة النقد الفلسطينية باعتمادهما في جميع المعاملات المالية والمصرفية. إلا أن مجلس إدارة بنك فلسطين، بحسب المصادر، لا يزال يرفض الامتثال لهذه التعليمات، ما يضع تساؤلات كبيرة حول حدود الالتزام بالقرارات الرسمية.
ويقول المواطن عماد الأغا، وهو شاب من مدينة غزة، إنه توجه إلى أحد فروع بنك فلسطين لفتح حساب بنكي بهدف إدارة بعض التحويلات المالية المرتبطة بعمله الحر، وبعد الوقوف لساعات طويلة، إلا أنه فوجئ برفض الطلب بسبب أن بطاقة هويته صادرة عن وزارة الداخلية في غزة.
ويضيف الأغا أن الموظفين أبلغوه بشكل صريح بأن البنك لا يعترف بهذه الهويات، رغم أنها صادرة عن جهة رسمية فلسطينية، وتحمل جميع البيانات القانونية المطلوبة.
ويصف الأغا هذا الموقف بأنه "تمييز إداري" يضعه في دائرة العجز المالي دون مبرر قانوني واضح.
ويؤكد أن هذا الرفض عطّل مصالحه بشكل مباشر، حيث اضطر إلى الاعتماد على أطراف أخرى لاستلام الأموال، ما عرضه لمشاكل وتأخيرات متكررة، فضلا عن شعوره بانعدام الأمان المالي وفقدان الثقة بالمنظومة المصرفية.
أما المواطنة ليان أحمد، فتروي تجربة لا تقل قسوة، إذ تمتلك بطاقة هوية صادرة عام 2014، أي قبل سنوات طويلة من الحرب، ومع ذلك قوبل طلبها بفتح حساب مصرفي بالرفض من قبل بنك فلسطين.
وتقول ليان إنها احتاجت الحساب البنكي لتلقي مستحقات مالية ومساعدات، لكنها فوجئت بأن تاريخ إصدار الهوية أصبح عائقا أمام حقها في فتح حساب، دون توضيح قانوني مقنع، وتضيف أن الموظفين لم يقدموا أي بدائل أو حلول، مكتفين بالرفض.
وتؤكد ليان أن هذا الإجراء دفعها إلى البحث عن طرق غير مباشرة لإدارة شؤونها المالية، ما وضعها في مواقف محرجة، وجعلها تشعر بأن النظام المصرفي لا يعكس واقع الناس ولا يراعي ظروفهم الاستثنائية.
تأجير الحسابات البنكية!
ونتيجة هذا الواقع، برزت ظاهرة جديدة في السوق المصرفي الغزي، وهي "تأجير الحسابات البنكية"، حيث يلجأ المواطنون أو التجار الذين لا يستطيعون فتح حسابات إلى استئجار حسابات قائمة مقابل مبالغ مالية شهرية.
ويقول المختص في الشأن الاقتصادي محمد بربخ إن هذه الظاهرة باتت مقلقة، حيث يصل بدل تأجير الحساب البنكي إلى نحو 1000 شيكل شهريا أو أكثر، في سابقة لم تكن مألوفة من قبل. ويتساءل بربخ عن مدى علم الإطار الناظم للعمل المصرفي، ممثلا بسلطة النقد، وكذلك البنوك العاملة في القطاع، بخطورة هذه الممارسات.
ويضيف أن أسباب هذه الظاهرة تعود إلى عدة عوامل، أبرزها استمرار أصحاب الحسابات المغلقة في تسيير أعمالهم التجارية، واستخدام الحسابات المؤجرة كوسيط لإخفاء العمليات المالية، إضافة إلى صعوبة إجراءات فتح الحسابات وطول فترات الانتظار، رغم أن هذه الإشكاليات قد تتلاشى مع أي انفراجة إجرائية حقيقية.
وفي المحصلة، تكشف أزمة رفض بنك فلسطين لهويات غزة عن فجوة خطيرة بين القرارات الرسمية والتطبيق العملي، وتضع المواطن في مواجهة مباشرة مع منظومة مصرفية يفترض أن تكون رافعة للاستقرار لا سببا للأزمات.
ومع استمرار هذا النهج، تتزايد المخاطر الاقتصادية والاجتماعية، ما يستدعي تدخلا عاجلا من الجهات الرقابية لوضع حد لهذه الإشكالية قبل أن تتفاقم تداعياتها.