آلاف الغزيين بين شبح الجوع وغياب البدائل بعد توقف خدمات "المطبخ العالمي"

خاص-الرسالة نت

يمر قطاع غزة بتطورات إنسانية مقلقة في أعقاب إعلان "المطبخ المركزي العالمي" عزمه التوقف عن تقديم خدماته خلال الساعات المقبلة، في خطوة أثارت مخاوف واسعة بين آلاف الأسر النازحة التي تعتمد بشكل أساسي على وجباته اليومية.

ويأتي هذا القرار في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية بالغة التعقيد، حيث تتفاقم معدلات البطالة، وتتوقف مصادر الدخل، وتتآكل قدرة العائلات على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.

وبحسب ما أعلنه إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، فإن توقف خدمات المطبخ لا يرتبط بقرار داخلي بحت، بل يأتي نتيجة معيقات ميدانية جسيمة فرضها الاحتلال الإسرائيلي، تمثلت في تقليص عدد الشاحنات المخصصة لإدخال المواد التموينية من 25 شاحنة يوميا إلى 5 شاحنات فقط، ما أدى إلى إضعاف القدرة التشغيلية للمطبخ بشكل حاد.

كما أشار الثوابتة إلى وجود ضغوط تتعلق بتغيير مصادر التوريد، إذ تم الدفع نحو شراء المواد الخام من داخل إسرائيل بدلا من إدخالها عبر شحنات قادمة من مصر، وهو ما يرفع الكلفة ويقيد الآليات الإنسانية السابقة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة الملحة إلى معالجة شاملة للأزمة، تشمل تسهيل تدفق المساعدات وإطلاق مشاريع الإيواء الدائم وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي لتخفيف الاعتماد على الإغاثة الطارئة.

رحلة البحث عن الطعام

ويقول المواطن سالم طافش، الذي نزح من شمال غزة إلى منطقة الزوايدة وسط القطاع، إن التكية التي كان يعتمد عليها لتأمين وجبة يومية له ولأطفاله كانت تمثل شريان الحياة الوحيد لهم.

ويضيف طافش: "كنا ننتظر موعد توزيع الوجبات كل يوم، فهي كانت الوجبة الأساسية التي نعتمد عليها بعد أن فقدنا بيتنا وعملنا وكل شيء".

وتابع: "توقف المطبخ وضعني وأسرتي في مواجهة واقع قاسٍ، إذ لا أملك أي مصدر دخل منذ أشهر، كما أن الرواتب متوقفة، والأسواق تشهد ارتفاعا في الأسعار يفوق قدرتي الشرائية، أخرج يوميا في رحلة شاقة أبحث عن أي جهة تقدم طعاما، أقف في طوابير طويلة وأعود أحيانا بلا شيء".

ويؤكد أن تقليص عدد الشاحنات وإدخال كميات محدودة من المواد الغذائية انعكس مباشرة على حجم الوجبات المتاحة. "كنا نشعر أن هناك نظاما واستقرارا نسبياً في التوزيع، أما الآن فالأمر بات فوضويا، والكل يخشى أن يستيقظ يوما دون أن يجد ما يسد رمقه".

ويختتم طافش حديثه قائلا: "لا نطلب المستحيل، نريد فقط أن تعود المساعدات كما كانت وأن تُطلق مشاريع تشغيل ولو مؤقتة، حتى نستطيع العمل مقابل أجر ونحافظ على كرامتنا بدلا من البقاء في انتظار وجبة قد تأتي أو لا تأتي".

أما المواطنة سعاد خالد، التي فقدت زوجها وتعيل ثلاثة أبناء، فتصف توقف خدمات المطبخ بأنه "ضربة موجعة في وقت لا يحتمل مزيدا من الأزمات".

وتقول: "كنت أعتمد بشكل كامل على الوجبات التي أحصل عليها من المطبخ العالمي، كانت المنقذ الوحيد لنا".

وتشير سعاد إلى أن مسؤولية إعالة أطفالها الثلاثة أصبحت عبئا يفوق قدرتها، في ظل انعدام فرص العمل للنساء وغياب أي دخل ثابت. وتضيف: "أحاول تدبير الأمور بما يتوفر من مساعدات متفرقة، لكن الوجبات الجاهزة كانت توفر علينا عناء البحث والطبخ في ظروف صعبة".

وتشير إلى أن الضغوط المتعلقة بتغيير مصادر التوريد وارتفاع كلفة المواد الغذائية تزيد من احتمالات استمرار الأزمة. "إذا كانت المواد ستدخل بكميات أقل أو بكلفة أعلى، فهذا يعني أن عدد المستفيدين سيتقلص ونحن أول المتضررين".

وتختم سعاد حديثها بنداء ومناشدة: "نحن لا نبحث عن رفاهية، بل عن حق أطفالنا في وجبة يومية تحفظ صحتهم وكرامتهم، نحتاج إلى حلول مستدامة إلى إعادة إعمار حقيقية ومشاريع إيواء دائمة وفرص عمل تضمن لنا دخلا ثابتا حتى لا نظل أسرى للمساعدات الطارئة".

أزمة متفاقمة

وتؤكد المعطيات الميدانية أن استمرار القيود المفروضة على إدخال المساعدات ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، خاصة مع اعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات الغذائية كمصدر رئيسي للعيش. ويبرز هنا دور المجتمع الدولي في الضغط لتسهيل تدفق الإمدادات الإنسانية وفق أحكام القانون الدولي الإنساني.

كما تبرز ضرورة إطلاق مشاريع الإيواء الدائم للأسر التي فقدت منازلها، وتسريع جهود إعادة الإعمار بما يخفف من حالة النزوح المستمرة. فالحلول المؤقتة لم تعد كافية في ظل طول أمد الأزمة وتعقيداتها.

إلى جانب ذلك، فإن تحريك عجلة الاقتصاد المحلي بات أولوية ملحة، من خلال إطلاق برامج تشغيل مؤقتة في مجالات البناء والخدمات ودعم المشاريع الصغيرة وتوفير منح تمويلية للأسر المتضررة، بما يسهم في خلق فرص عمل دائمة تعيد للناس قدرتهم على الاعتماد على أنفسهم.

وفي المحصلة، فإن أزمة توقف خدمات "المطبخ العالمي" لا تمثل مجرد انقطاع لوجبات غذائية، بل تعكس هشاشة الوضع الإنساني والاقتصادي في غزة، وتستدعي تحركا عاجلا وشاملا لمنع انزلاق آلاف الأسر إلى دائرة الجوع والعوز، وضمان حقها في حياة كريمة وآمنة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير