في صباحٍ بارد من 18 فبراير/شباط 2026، لم تكن منطقة الحرايق جنوب الخليل تعرف أن ذلك اليوم سيكون واحدا من أثقل أيامها، حين وصلت الجرافات العسكرية ترافقها قوات الاحتلال، وبدأت تطويق عمارة سكنية تعود لعائلة سلهب، كأنها تستعد لاقتلاع ذاكرة كاملة لا مجرد حجارة.
لم تكن البناية مجرد مسكن صغير، بل كانت مكوّنة من مبنيين متلاصقين: الأول يرتفع 3 طوابق ويضم 6 شقق، والثاني من طابقين يضم 4 شقق.
عشرة بيوت كاملة، تسكنها 10 عائلات، وأكثر من 40 فرداً، لكل واحد منهم سريره، وصوته، وأشياؤه الصغيرة التي لا تُحصى. خلال دقائق، تحوّل كل ذلك إلى قرار إخلاء قسري.
أُجبر السكان على الخروج. لم يُمنحوا وقتاً كافياً لجمع تفاصيل حياتهم، فقط وقتاً ليروا كيف يُسحب البيت من تحت أقدامهم. وقفت الأمهات عند أطراف المكان، يراقبن الأبواب التي أُغلقت للمرة الأخيرة، والأطفال يحاولون فهم لماذا صار البيت فجأة منطقة عسكرية.
وسط هذا المشهد، وقف أسامة سلهب، أحد أصحاب البيوت، لا يصرخ بقدر ما كان يثبت شيئاً أعمق من الصراخ. قال كمن يخاطب الأرض قبل أن يخاطب الجنود: "خليها تشتي وترعد… وفراشي الأرض ولحافي السماء… لو فكّر أي ضابط ييجي ليطردنا من هنا، فإحنا راح نموت هون."
كانت كلماته ولا زالت إعلان تمسكٍ أخير بمكانٍ صار يُسحب منهم بالقوة، كأن الرجل يحاول أن يزرع جسده في الأرض بعدما عجز عن تثبيت البيت فوقها.
الجرافات لم تتردد. بدأت بالهدم، طبقةً بعد طبقة، حتى سقطت العمارة كاملة، ومعها سقطت 10 شقق سكنية كانت تؤوي العائلة الممتدة. لم تشفع للعائلة أوراق الملكية الرسمية التي بحوزتها، ولا الاعتراضات القانونية التي تقدمت بها.
الحجة كانت جاهزة: “البناء دون ترخيص”، في منطقة يعرف سكانها أن الحصول على ترخيص فيها يكاد يكون مستحيلاً. لكن القصة لم تنتهِ عند الركام.
حين حاولت العائلات لملمة ما تبقى من حياتها، لجأت إلى خيام في منطقة خربة قلقس. ظنوا أن القماش قد يمنحهم هدنة مؤقتة من العراء، لكن الملاحقة استمرت. لم تكتفِ قوات الاحتلال بهدم البيوت، بل صادرت حتى الخيام، كأن الهدف لم يكن الهدم فقط، بل إبقاء العائلة في حالة تشريد مفتوح.
وتشير الأرقام المثبتة إلى أن ما حدث لم يكن مفاجئاً، بل نتيجة سنوات من الضغط والملاحقة لعائلة سلهب، في محاولة لدفعها إلى الرحيل. ومع تنفيذ الهدم، تحقّق التهجير دفعة واحدة: 10 عائلات أصبحت بلا مأوى، وأكثر من 40 إنساناً انتقلوا من بيوت ثابتة إلى فراغ لا يُحتمل.
حكاية عائلة سلهب واحدة من عشرات الحكايات المشابهة في الضفة الغربية؛ إذ تُظهر المعطيات أن عام 2026، وحتى أشهره الأولى فقط، شهد هدم أو مصادرة 327 منشأة فلسطينية، ما أدى إلى تهجير 484 شخصاً، في مؤشر على وتيرة متصاعدة لا تهدأ.
أما عام 2025، فقد حمل تصعيداً أكبر، حيث سُجّلت مئات عمليات الهدم التي طالت المنازل والبنية التحتية، بما في ذلك 128 منشأة مياه وحدها، إلى جانب قرارات بهدم جماعي لمناطق سكنية كاملة، كما حدث في مخيمي طولكرم ونور شمس. وعلى امتداد العام، لم يكن الأثر محصوراً في الأرقام، بل في البشر؛ إذ تجاوز عدد المهجّرين في الضفة 36 ألف فلسطيني حتى أكتوبر 2025، في مشهد يكشف أن ما يجري قد أصبح سياسة مستمرة تعيد تشكيل المكان، وتدفع العائلات، واحدة تلو الأخرى، إلى حياة بلا سقف.