في خيمةٍ مهترئة على أطراف النزوح في غزة، تجلس سوزان أبو سالم، تُحيط بها وجوه أطفالها، لكن عينيها ما زالتا عالقتين في مكانٍ آخر… خلف جدرانٍ باردة، حيث تُرك جسدها يواجه المرض وحده.
سوزان، وهي من خانيونس جنوب القطاع، لم تكن تتوقع أن رحلة النزوح التي خرجت فيها بحثًا عن الأمان ستقودها إلى الأسر. في يناير 2024، وبينما كانت تمر مع عائلتها عبر ما أُعلن أنه "ممر آمن" قرب مستشفى ناصر، تحولت الرحلة إلى لحظة اعتقال.
اقتيدت مع والدتها المسنّة، سهام أبو سالم، وشقيقتها، في مشهدٍ تختلط فيه الصدمة بالخوف. لكن اللحظة الأقسى لم تكن الاعتقال فقط، بل حين أُجبرت على ترك طفلتها خلفها في الطريق.
تستعيد تلك اللحظة بصوتٍ خافت:"تركت روحي هناك… مش بس بنتي."
داخل السجون، لم تكن سوزان مجرد أسيرة، بل جسدٌ مريض تُرك بلا علاج.
كانت تعاني من مرض السكري، تحتاج إلى متابعةٍ يومية وأدوية منتظمة. لكن في الزنزانة، تحوّل المرض إلى عدوٍ مفتوح. لم تتلقَّ علاجها بشكلٍ منتظم، ولم يُراعَ وضعها الصحي، ما أدى إلى تدهور واضح في جسدها.
تقول:"كنت أحس جسمي ينهار شوي شوي… الدوخة ما كانت تفارقني."
خلال التحقيق، ومع الضرب وسوء المعاملة، كانت تدخل في حالات إغماء متكررة. لم يكن ذلك كافيًا لوقف التعذيب أو التخفيف منه، بل كانت تُعاد إلى التحقيق أو تُترك في العزل، تواجه ضعفها وحدها.
في العزل، حيث الصمت ثقيل، والوقت بلا ملامح، كانت المعاناة تتضاعف.
الجوع، الحرمان من الطعام، والإهمال الطبي، كلها عوامل تركت أثرها ليس فقط على جسدها، بل على نفسيتها أيضًا."كنت أخاف أن أموت هناك… بدون ما أشوف أولادي."
قضت سوزان نحو 13 شهرًا في الأسر، تنقلت خلالها بين عدة سجون، في ظروفٍ وصفتها بعد الإفراج بأنها قاسية ومهينة. وعندما خرجت، لم تخرج كما دخلت.
عاد جسدها مُنهكًا، فقد الكثير من وزنه وقوته، وباتت آثار المرض والإهمال واضحة عليها. أما نفسيتها، فكانت تحمل ثقل تجربة لا تُنسى:
ليالٍ طويلة من الخوف، التحقيق، العزل، والاشتياق.
أُفرج عنها ضمن صفقة تبادل، لتعود إلى غزة… لكن غزة التي عادت إليها لم تكن كما تركتها. لا بيت، لا استقرار، فقط خيمة… وأطفال ينتظرون أمهم.
اليوم، تحاول سوزان أن تستعيد ما يمكن استعادته.
تجلس مع أطفالها، تراقبهم، تلمس وجوههم، كأنها تتأكد أنهم ما زالوا هنا.
لكن جسدها ما زال يحمل آثار ما حدث، ومرض السكري الذي تفاقم في الأسر يحتاج إلى علاجٍ مستمر، في ظل ظروف صحية صعبة داخل القطاع.
لكن في خيمةٍ صغيرة، تختصر سوزان كل هذه الأرقام بجملة واحدة:
"أنا بس بدي أعيش مع أولادي… بدون خوف."
بين الزنزانة والخيمة، مسافةٌ قصيرة في الجغرافيا… لكنها طويلة جدًا في الألم.