بقلبٍ محروق، يحكي قصي أبو الكباش، من تجمعه البدوي في الأغوار الشمالية بالضفة الغربية، قصته التي فاقت حدود الخيال، بل تختصر ما يعيشه الفلسطينيون على مدار أعوام الاحتلال، حينما هاجمه مستوطنون في خيمته، وخلعوا ملابسه بالكامل بعد أن قيدوه، وساروا به في القرية أمام أعين أطفاله وأعين كثير من الجيران، وهو عارٍ ومهان.
يقول أبو الكباش إن عشرات المستوطنين اقتحموا المكان فجأة، مدججين بالعصي وأدوات حادة، وبدأوا بالاعتداء على السكان وممتلكاتهم. لكن ما تعرض له شخصيًا كان الأكثر قسوة.
يضيف أنه حُوصر داخل خيمته، قبل أن يُطرح أرضًا ويُقيّد، ثم جُرّد من ملابسه بالقوة، وسط صراخ أطفاله الذين شاهدوا المشهد دون قدرة على التدخل. لم يتوقف الأمر عند الضرب والإهانة، بل أُجبر على السير عاريًا في محيط التجمع، في مشهد وصفه بأنه "كسر لكل شيء داخله"، ليس فقط جسده، بل كرامته أيضًا.
ويتابع: "لم يكن الهدف ضربي فقط، بل إذلالي أمام أولادي، أمام الناس… أرادوا أن أرحل، أن أترك الأرض". كلمات يرددها بصوت متقطع، بينما يحاول استعادة تفاصيل لحظات يقول إنها لن تغيب عن ذاكرته.
وبحسب روايته، تخلل الاعتداء تخريب للممتلكات وسرقة مواشٍ، التي تعد مصدر رزق أساسي لعائلته، إلى جانب تهديدات مباشرة للسكان بضرورة مغادرة المنطقة، في إشارة إلى تصاعد الضغوط التي يتعرض لها التجمع البدوي.
عدد من سكان المنطقة أكدوا وقوع الهجوم، مشيرين إلى أنه لم يكن الأول من نوعه، بل يأتي ضمن سلسلة اعتداءات متكررة تستهدفهم بشكل شبه يومي، في ظل غياب الحماية.
من جهتها، تقول مؤسسات حقوقية إن هذه الانتهاكات، بما فيها الاعتداءات الجسدية والإهانات العلنية، تُستخدم كوسيلة لترهيب الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل القسري عن أراضيهم، خاصة في مناطق الأغوار.
بالنسبة لقصي أبو الكباش، لم تنته القصة عند تلك الليلة. فآثار ما جرى ما زالت حاضرة في تفاصيل حياته اليومية، في نظرات أطفاله، وفي شعوره المستمر بعدم الأمان. يقول: "الوجع مش بس اللي صار… الوجع إنك عايش وبتتوقع إنه ممكن يصير مرة ثانية بأي لحظة".
الحكاية تعكس واقعًا يعيشه كثيرون في الضفة الغربية، حيث لا تتوقف المعاناة عند لحظة الاعتداء، بل تمتد لتصبح جزءًا من حياة يومية مثقلة بالخوف والقلق. فقد تصاعدت اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية منذ بداية عام 2026، حيث وثّقت تقارير أممية وقوع عشرات الهجمات خلال الأسابيع الأولى فقط من العام، استهدفت بشكل خاص التجمعات البدوية والرعوية في الأغوار.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الاعتداءات أسهمت في تهجير عائلات فلسطينية من مناطقها، وسط تزايد وتيرة العنف واتساع رقعته. ويعكس هذا التصعيد امتدادًا لما شهده عام 2025، الذي سُجل فيه ما بين 1800 إلى أكثر من 4700 اعتداء موثق، في مؤشر على نمط متكرر من الهجمات التي أصبحت واقعًا يوميًا يفرض نفسه على حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية.