في خطوة مفاجئة، عيّن رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو، المقدم احتياط "ليئور لوتن" في منصب منسق شؤون الأسرى والمفقودين بـ (إسرائيل)، ما جعل التوقعات تنصب نحو إمكانية إبرام صفقة تبادل، بشأن الجنود الذين أسرتهم المقاومة الفلسطينية أثناء العدوان الأخير.
وما جعل تلك الخطة تحظى بشيء من الأهمية، أنها تزامنت مع إقدام حركة حماس على نشر ملصقات في شوارع قطاع غزة، تبشر بقرب إنجاز صفقة تبادل أسرى جديدة، وأيضا موافقة (إسرائيل) على إضافة بند خاص بطلب الحركة تشكيل وفد مختص لملف الأسرى في المفاوضات غير المباشرة، علما بأن كتائب القسام -الذراع العسكرية لحماس-كانت قد أعلنت أسر الجندي "آرون شاؤول" فقط، دون أن تفصح عما إذا كان على قيد الحياة أم لا، واكتفت بالصمت حيال مصير جندي آخر أعلن الاحتلال اختفاء آثاره شرق مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، وهو الضابط (الإسرائيلي) "هدار جولدن"، ما فرض غموضا على مصيره.
وبمجرد الإعلان عن تعيين "لوتن"، انشغل مراقبون ووسائل إعلام، بدراسة أبعاد هذه الخطوة، خاصة أنها جاءت مبكرة، مقارنة بما سبق صفقة تبادل الجندي الأسير "جلعاد شاليط" عام 2010، والتي عرفت باسم صفقة "وفاء الأحرار"، خصوصا إذا ما علمنا أن (إسرائيل) ماطلت فيها طويلا، على أمل الوصول إلى شاليط، وتخليصه عسكريا أو حتى القضاء عليه، لكن المقاومة سجلت "نصرا أمنيا" باحتفاظها بالجندي طيلة 5 أعوام، بعيدا عن أعين عدة أجهزة استخباراتية (إسرائيلية) وعالمية.
وبينما أعلن نتنياهو أن "لوتن" جاء خلفا للمسؤول السابق "ديفيد ميدان"، اعتبرت صحيفة يديعوت العبرية أن ذلك "إقرار بأن ميدان قد أنهى مهمته، وأن هناك مهمة جديدة"، وكتبت تحت عنوان: "صفقة تبادل على المحك"، أن الأمر محقق على الأقل من وجهة نظر حماس، "وإن كان قادتها يرمزون للأمر بنصف لسان، لكن نتنياهو أيضا يرمز للأمر نفسه بنصف لسان، حين يقوم بتعيين مسؤول عن الأسرى (الإسرائيليين)، وإلا فما معنى ذلك؟".
إدارة الصراع
معنى ذلك برأي المحلل والخبير العسكري يوسف الشرقاوي، "أننا مقبلون فعليا على صفقة تبادل جديدة، قد تكون أكثر إحكاما".
وحول الظروف التي دفعت رئيس الوزراء (الإسرائيلي) إلى الإقدام على هذه الخطوة مبكرا، بخلاف صفقة تبادل الجندي شاليط، قال الشرقاوي لـ"الرسالة نت" إن نتنياهو "مهزوز داخليا" ويريد أن ينجز شيئا، يضيفه إلى رصيده، إضافة إلى وضع الإقليم في المنطقة، الذي تجري الرياح فيه وفق ما تشتهيه السفن (الإسرائيلية)، مستدركا: "لولا الظرف العربي لكان نتنياهو في عداد الراحلين، مثله مثل رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، بعد فشله في تحقيق أي من أهداف العدوان على قطاع غزة".
ويفرض ذلك على المقاومة، من وجهة نظر الشرقاوي، أن تُحسن إدارة الصراع مع الاحتلال، وأن تكون أكثر وعيا مما سبق، وألا تستعجل إبرام الصفقة، لإدراكه بوجود مفارقات جديدة عن "وفاء الأحرار"، أبرزها أن كل معلومة سيكون مقابلها إنجاز، خصوصا أننا نتحدث عن جنديين مجهولي المصير.
ثم إنه من المتوقع أن يكون زمن الصفقة الجديدة أقصر من سابقتها التي امتدت لخمسة أعوام من المفاوضات، إلى جانب أنها ستنطلق من أرضية جاهزة بشأن عدد الأسرى الفلسطينيين الذين سيفرج عنهم مقابل الجنود (الإسرائيليين) الأسرى، ولن تنطلق من نقطة الصفر، خاصة أنه أفرج بموجب "وفاء الأحرار" عن 1027 أسيرا وأسيرة فلسطينية مقابل جندي (إسرائيلي) واحد، ما يعني أن السقف سيرتفع في الصفقة المقبلة، مع أسر أكثر من جندي.
إضافة إلى أن الصفقة الجديدة لن تصطدم بالمعايير (الإسرائيلية) بشأن هوية من سيفرج عنهم، بعدما كسرتها "وفاء الأحرار"، في إشارة إلى أصحاب المحكوميات العالية، ومن "أيديهم ملطخة بالدماء"، على حد تعبير (الإسرائيليين).
عدا عن أن قنوات الاتصال في الصفقة الجديدة ربما قد تقتصر على وساطة مصرية إلى جانب اتصالات غير مباشرة محدودة، بخلاف "وفاء الأحرار" التي تعددت فيها قنوات الاتصال، لدرجة وصلت إلى وجود اتصالات غير مباشرة بين الاحتلال (الإسرائيلي) وحماس عبر وسطاء مقربين من الحركة.
أوراق مساومة
وعلى نحو متصل، يعتقد الخبير العسكري، الشرقاوي، أن "المناكفات الداخلية" لن تكون في صالحنا عند إبرام أي صفقة تبادل جديدة، قائلا: "من الممكن أن ننجز نصرا جديدا، إذا اتفقنا بهدوء".
ذلك يفسر اشتراط حماس وفدا مختصا بمناقشة ملف الأسرى لدى المقاومة، وإبلاغها المسؤولين المصريين بأنّ الوفد الفلسطيني الموحد، ليس مختصا بذلك، وفق ما كشفته مصادر موثوقة لصحيفة "العربي الجديد".
ويشبه قياديون في "حماس" ملف الأسرى (الإسرائيليين) لدى المقاومة بـ"الصندوق الأسود"، الذي لن يتم الكشف عنه إلا في حينه.
وكان القيادي في حماس مشير المصري، قال إن حركته وعدت الشعب الفلسطيني بأنه على موعد مع انتصار جديد يتمثل بصفقة تبادل ثانية للأسرى، وأن المقاومة تمتلك الحق في التحفظ على أي تفاصيل خاصة بما لديها من أسرى وأشلاء لجنود (إسرائيليين)، "وهي وعدت شعبها بصفقة جديدة وقادرة على التنفيذ".
ورفض المصري الإفصاح عن أي تطور في مسار بدء اتصالات أو مفاوضات غير مباشرة لإبرام صفقة تبادل أسرى، مشيرا إلى أن ذلك مرهون بإتمام المفاوضات غير المباشرة لتثبيت وقف إطلاق النار وتحقيق مطالب رفع الحصار.
وأوضح أن "أي حديث عن تبادل الأسرى سيكون منفصلا عن تثبيت وقف إطلاق النار، والمقاومة تملك أوراق مساومة ستجبر الاحتلال على التجاوب مع مطالبها".
إن تعيين "لوتن" وملصقات حماس، سيكونان بمنزلة المجداف الذي سيحرك قارب الشوق في قلوب ذوي أكثر من سبعة آلاف أسير فلسطيني، تعتقلهم (إسرائيل) في سجونها، ويجعلهم على موعد مع "وفاء الأحرار 2"، وسيسجل نصرا أمنيا ثانيا في تاريخ المقاومة، مقابل هزيمة أخرى لمنظومة الأمن (الإسرائيلية).