ينتشرون في مراكز المدن وعلى المفترقات

المتسولون.. مستقبل ضائع وطفولة مشتتة

غزة-محمد أبو قمر "الرسالة نت"

تحت أشعة شمس عمودية تجلس امرأة مسنة على جانب الرصيف ترتدي نقابا وتفتح يدها للمارة، ولسانها يلهج بالدعاء لكل من يسير على الطريق لاستعطاف مشاعرهم من اجل التصدق عليها.

استعانت المسنة بزجاجة مياه بحوزتها لرش قطرات على رأسها بين الفترة والأخرى علها تخفف من حرارة الأجواء التي كوت رأسها، وكان منحها بضعة شواقل وسيلة "الرسالة نت" للتحدث إليها واستخراج كلمات تدفنها في قلبها عن أوضاعها المعيشية.

على مفترق السرايا المجاور للمكان الذي تتخذه المسنة تسابق ثلاثة أطفال يحملون قطعا من الشوكولاته وفسائل النعناع لعرضها على السيارات المتوقفة على إشارات المرور "الرمزونات"، ولم يألوا جهدا في الإلحاح على المواطنين لتسويق بضاعتهم.

وتتنامى أعداد المتسولين والباعة المتجولين من الأطفال والمسنين على المفترقات في شوارع غزة، فما الدوافع؟ وما الحلول؟ وهل من آثار مستقبلية لتلك المشاهد التي وصلت حد "الظاهرة".

دوافع مختلفة

تواظب المرأة المسنة التي عرفت نفسها بأم إسماعيل على الحضور يوميا من خانيونس إلى محيط مجمع السرايا بشارع عمر المختار، وتتكئ على عمود كهربائي اختارته مكانا لها وتبدأ بالسؤال والدعاء للمارة على الطريق.

وتعزو أم إسماعيل التي ما فتئت رش قطرات من المياه على رأسها لتخفيف حرارة الشمس بسبب إصابتها بجلطة سابقة، تواجدها الدائم في المكان الى قلة الحال وتقول " والله مجبورة، وما بتحرك من مكاني بستنا أولاد الحلال يساعدوني".

وبحسب المسنة فإنها لو وجدت من يعيلها ويمد لها يد العون لما تواجدت في ذلك المكان، مشيرة الى أن زوجها متوفى منذ ثلاثين عاما وأبناءها يعيلون أسرهم بعيدا عنها وليس لديهم مصدر دخل .

وتؤكد أم إسماعيل على صعوبة وضعها، وبالكاد تجمع في اليوم الواحد ما بين خمسة عشر شيقلا الى ثلاثين شيقلا، من بينها أجرة المواصلات ذهابا وإيابا من خانيونس لغزة.

ونفت المسنة تلقيها أية مساعدة من جهات حكومية أو خيرية ، ولفتت الى أن الشرطة منحتها كتابا للتوجه لوزارة الشئون الاجتماعية لكنها لم تتلق أي رد بعد.

أنهت "الرسالة" حديثها مع المرأة مقابل منحها بضعة شواقل، ولا زالت المسنة تلهج بالدعاء لكل من يساعدها ويمد لها يد العون.

في مكان ليس ببعيد تجلس فتاة في العشرينات من عمرها ترتدي نقابا وقد ظهرت عيناها الخضراوتان تراقبان حركة المارة، وما أن يقترب منها شخص حتى تبدأ بالدعاء " الله يريح بالك ، ويهدي سرك، ويجبر بخاطرك ، ويناولك اللي ببالك" في محاولة لاستعطافهم للتصدق عليها ".

ويرجع جميع المتسولين لجوءهم لما يتخذونه مهنة الى حاجتهم الماسة للأموال وغياب المعيل ، وبحسب الفتاة فان والدها كان يعمل سائقا وتعرض لحادث سير أقعده عن العمل، ولا يوجد من يعيلها وشقيقيها الصغيرين الملتحقين بالمدرسة، مما دفعها للتسول.

تنامي المتسولين

وينتشر المتسولون في مناطق حيوية بالمدن, ففي مدينة غزة يتركز تواجدهم في ميدان فلسطين وعلى امتداد شارع عمر المختار.

ويعتقد مختصون أن تلك الظاهرة تحتاج لدراسة دقيقة، ويقول الدكتور جميل الطهراوي أستاذ علم النفس أن ضيق الحال دفع بالبعض للتسول لكن آخرين باتوا محترفين في ذلك المجال فحتى لو جمعوا مبلغا من المال يمكن أن يسير أمورهم فإنهم سيستمروا في التسول ولا يوجد لديهم هدف محدد من مد اليد للناس.

بينما يرى الدكتور وليد شبير رئيس قسم الخدمة الاجتماعية بالجامعة الإسلامية أن تسول النساء وكبار السن قد يكون حرفة لهم ، ويجب على الجهات المختصة البحث في ذلك الأمر ومتابعة الحالات من الأطفال والنساء وحتى كبار السن.

ورجح أن يكون بعض الأطفال الذين تستخدمهم النساء للتسول ليسوا من أبنائهن ، مقترحا أن يتم البحث في حالاتهم وتوجيه المتسولين من قبل الشرطة للمؤسسات الخيرية في حال تبين أنهم يعيشون أوضاعا اقتصادية صعبة، ووضع حل لها في حال تبين غير ذلك.

لكن الرائد أيمن البطنيجي الناطق باسم الشرطة أكد أنهم شنوا حملة في وقت سابق لمنع المتسولين من النسوة وكبار السن، ووقعوا على تعهدات بعدم العودة لها.

وشدد البطنيجي على أنهم مستمرون في معالجة ملف المتسولين، وقال أن تلك المشكلة الاجتماعية يجب أن تحل من قبل جهات مختصة كوزارة الشئون الاجتماعية.

وفي هذا السياق ذكر صبحي أبو رضوان وكيل وزارة الشئون الاجتماعية أنهم يولون اهتماماً ومتابعة للمتسولين، لكنه يعتبر أن المشكلة تكمن فيما يتعلق ببعض المتسولات الفتيات والشباب الذين امتهنوا التسول.

وبحسب أبو رضوان فإنهم مستمرون ببرنامج التثقيف المجتمعي والتوعية حول هذه الظواهر السلبية وآثارها من ناحية نفسية واجتماعية وصحية، مشددا على أنهم ينتهجون ذلك كإستراتيجية للعمل فضلا عن تقديم مساعدات لهم وإيجاد مشاريع صغيرة لتوفير مصدر دخل لهم وتحويلهم لأداة إنتاج بدلا من اعتمادهم على الآخرين.

وشدد أبو رضوان أنهم وفروا فرص عمل لبعض المتسولين من خلال برنامج التشغيل التابع لوزارة العمل.

ويشير الى أن وزارة الشئون الاجتماعية تعمل على تخفيف حدة الفقر والبطالة من خلال رعايتها خمسة وثلاثين ألف أسرة فقيرة ، بالإضافة الى أنها تقدم مساعدات وطرودا غذائية وأغطية لآلاف الأسر.

حرمان من الطفولة

ويتسابق ثلاثة أطفال على مفترق السرايا وسط غزة لملاحقة السائقين الذين ينتظرون على الإشارة الضوئية والإلحاح عليهم لترويج ما يحملونه من قطع للبسكويت والشوكولاته وحتى النعناع.

ورصدت "الرسالة نت" أساليب الأطفال لبيع ما لديهم حيث يعتمدون ذات النهج الذي يعتمده المتسولون بالدعاء للسائقين والإلحاح عليهم وعدم مغادرة نوافذ السيارات حتى يشتري شخص منهم.

استدرجت "الرسالة نت" عددا من الأطفال في الحديث واضطرت لشراء بعض ما لديهم ليكشفوا عن الدوافع التي جعلت منهم باعة متجولين في الشوارع "أطفال شوارع".

وقد طأطأ الطفل أحمد رأسه وهو يحمل قطعا من البسكويت وضعها في علبة كرتونية عند بداية حديثه خجلا من الأسئلة الموجهة إليه وتكدس الدم في وجهه، لكنه سرعان ما اختفى الاحمرار عن ملامحه الطفولية وقال " أصلي الفجر وأراجع دروسي لمدة ساعة أو ساعتين، بعدها أخرج للبيع على المفترقات حتى موعد دراستي في الفترة المسائية".

وأوضح أحمد أصغر إخوته أن والده عاطل عن العمل وقال " ما في شغل" ، مشيرا الى أن لديه ثلاثة أخوة في المرحلة الثانوية، ويحاول مساعدة والده في مصاريف المنزل".

وبحسب الطفل فانه يجمع ما يقارب عشرة شواقل يوميا ويمنحهم لوالده كي يصرف عليهم.

قاطع حازم الذي يحمل قطعا من الشوكولاته صديقه وقال " دبر إلنا شغل ثاني بنبطل نبيع عالمفترق"، موضحا أنه انقطع عن الدراسة وهو في الصف الأول الإعدادي ليوفر بعض مصاريف المنزل.

ونوه حازم الى أن والده عاطل عن العمل وأضاف" لو والدي يعمل لما خرجت من المدرسة".

وفي هذا الصدد يعتقد الدكتور الطهراوي أن وضع الطفل في هذه الحالات يكون عير طبيعي حيث من المفترض أن تكون الطفولة سوية ويعيش الطفل حياته بشكل طبيعي.

وأوضح أن نمو الطفل يحتاج لمتطلبات نفسية واجتماعية، وفي مرحلة الطفولة لا بد أن يكون ملتحقا في المدرسة وليس في الشوارع، ويكتسب معلومات جديدة ويأخذ قسطا من اللعب واللهو، لكنه رأى أن امتهانهم البيع بالشوارع يحرمهم من الطفولة مما سيؤثر على شخصيتهم ونفسيتهم بشكل مباشر.

ومع إقرار الطهراوي بأن الطفل العامل سيعاني من آثار سلبية مستقبلية كثيرة إلا أن هناك جانبا ايجابيا محدودا باعتماده على نفسه، لكنه شدد أنه سيبقى ميزة محدودة أمام كثرة الآثار السلبية.

واعتبر أستاذ علم الاجتماع أن الوضع الاقتصادي أحد دوافع الأطفال للعمل لكنه أكد أن البعض تمادى في تلك الأمور وأخذ من البيع على المفترقات مهنة له واحترفها، ولا تكون الحاجة دافع لهم.

مساعدة أسرهم

ويجمع الأطفال الباعة على أن الفقر والضيق الدافع الرئيس للبيع في الشوارع، حيث يلاحق طفل يحمل النعناع السائقين لبيع الكميات التي بحوزته، وأشار الى أنه وشقيقيه خرجا من المدارس بإرادتهما مما دفع والدهم الذي كان يعمل داخل الخط الأخضر لإجبارهم على البيع على المفترقات.

ويقول الطفل " نحن الثلاثة نعمل في بيع النعناع، ووالدي عاطل عن العمل، ولو كان يعمل لما خرجنا من المدارس".

ويشير إلى أنهم يجمعون الأموال لتوفير مصاريف المنزل وشراء وجبة دجاج كل أسبوع.

ويجزم الدكتور شبير بأن البيع على الطرقات يؤثر على شخصية الطفل، مؤكدا على ضرورة توفير جميع أنواع الرعاية وان يشبع الطفل حاجاته، وفي حال لم يتوفر ذلك لذلك يلجأ الطفل للتسول لشبع حاجاته المادية.

وذكر شبير أن الأطفال الباعة يتحملون أعباء غير قادرين عليها ، وفي حال كانوا قادرين على ذلك فانهم سيتأثرون نفسيا،لكنه رأى أنه لا مانع من تعليم الابن حرفة في وقت الإجازة المدرسية على أن تتناسب مع سنه وتكون في وقت الفراغ.

 

ويعتقد أن الظروف الاجتماعية ووفاة الأب أو الأم وتشتت الأسرة وعدم الانتباه للأطفال،  وأحيانا الجهل ربما يترك الأطفال يواجهون مصيرهم بأنفسهم واللجوء للبيع على الطرقات.

بينما قال الرائد البطنيجي " إن كان ظاهر الأطفال على الطرقات بأنهم باعة متجولون لكنهم في باطن الأمر متسولون، وفي جميع الأحوال هم عبارة عن باعة متجولين لا يمكن منعهم" .

ويعتقد الناطق باسم الشرطة أن قضية الأطفال الباعة اجتماعية وليس لها علاقة بالشرطة.

متابعة الأطفال

وزارة الشئون الاجتماعية أجرت دراسة قبل عام حول عمالة الأطفال حيث كانت تتابع الأطفال المتجولين في الشوارع وتتواصل معهم في منازلهم ، ويؤكد وكيل الوزارة أبو رضوان أنها تمكنت من إعادة عدد منهم الى المدارس .

وأشار الى أن عددا منهم التحق بمراكز تدريب مهني تابعة لوزارة الشئون الاجتماعية ، وعمل آخرون من خلال مشروع وزارة العمل لتشغيل العاطلين.

ويؤكد أبو رضوان أن وزارته صرفت مستلزمات مدرسية لأولئك الأطفال ، ومواد تموينية ، 

ويعتقد أن عمل الأطفال يفقدهم طفولتهم ويجعلهم عرضة للانحراف ويؤثر على صحتهم العامة.

وشدد على أنهم مستمرون بتوعية وإرشاد الأسر التي تدفع أطفالها للعمل لبيان مخاطره المستقبلية على الطفل، وأضاف " نجحنا في إرجاع بعض الحالات للمدارس".

وقال أبو رضوان أن الوضع الاقتصادي والحصار أحيانا قد يدفع بالأطفال للعمل ، ونواجه المشكلة بتثقيف الوالدين وتوعيتهم" .

ويعتقد وكيل وزارة الشئون الاجتماعية أن الأمر لا زال بحاجة لمتابعة ، وقد خصصوا ستين باحثا لمتابعة تلك الحالات ، مشددا على أن تلك القضية تحتاج لمتابعة ليس من الشئون الاجتماعية فحسب بل من كل من وزارات العمل والداخلية والمنظمات الأهلية.

وقال أنهم تقدموا بمشاريع مدرة لدخل أسر الأطفال العاملين من خلال برامج متعددة، ولا زالوا متواصلون معهم ، وقد أسسوا شبكة لحماية الطفل مهمتها متابعة تلك الحالات.

ولم يخف أبو رضوان أن الحصار والبطالة لهما دور في لجوء الأطفال للبيع على المفترقات لكنه شدد على أن الوضع الاجتماعي والتفكك الأسري يزيد من تلك الظاهرة.

ويعتقد أن أخطر ما في الأمر أن يدفع الوالدين أبناءهم للعمل واتخاذ البيع على المفترقات مهنة لهم .

وتعد عمالة الأطفال ظاهرة دولية، حيث يبلغ عدد الأطفال ضحايا العمالة 352 مليون طفل في العالم معظمهم من الدول النامية والتي تعاني أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية.

وكانت نتائج مسح القوى العاملة في العام 2009، بينت أن نسبة الأطفال العاملين سواءً بأجر أو بدون أجر (أعضاء أسرة غير مدفوعي الأجر) بلغت 7.3% من إجمالي عدد الأطفال العاملين، بواقع 5.4% في الضفة الغربية و0.9% في قطاع غزة.

وأظهرت أن حوالي ثلثي الأطفال العاملين في الأرض الفلسطينية (76.3%) يعملون لـدى أسرهم بدون أجر (89% من بين الإناث العاملات 36.3% من بين الذكور العاملين)، مقابل 72.6% يعملون كمستخدمين بأجر لدى الغير (1.3% من بين الإناث العاملات و13% من بين الذكور العاملين)، 5.1% يعملون لحسابهم أو أصحاب عمل خلال العام الماضي.

وفي الوقت الذي يتسابق فيه الأطفال الباعة من جهة, والمتسولون من النساء والرجال من جهة أخرى على التقاط لقمة عيشهم بأية طريقة كانت، تبقى الدوافع مختلفة وراء لجوئهم لتلك "المهنة" فيما تبقى القضية بحاجة لتكاثف جهود المؤسسات والوزارات المختصة لتجاوزها.

 

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير