من خلف أسوار سجن النساء .. حكايات تحاكي الأفلام

تحقيق/ مها شهوان (الرسالة نت)

أسلاك شائكة تلف أسوار سجن أنصار المركزي على شاطئ بحر غزة الذي يضم العديد من السجناء والسجينات المعتقلين على خلفية قضايا جنائية .. "الرسالة" آثرت أن تقتحم غرفة السجينات للتعرف على حياتهن و قصصهن اللاتي أودت بهن خلف القضبان.

أربعة من السجينات تربعن على الأرض في غرفتهن لتناول طعام الإفطار ، وحينما دخلت "الرسالة" عليهن انتفضن محدقات بالضيف ومن ثم رحبن بسرد تفاصيل حكاياتهن، فمنهن من كانت صادقة  بعض الشيء في روايتها وأخرى من تلاعبت وتناقضت في التفاصيل.

يذكر أن السجينات الموقوفات في سجن أنصار اتخذ بحقهن الاجراءات القانونية السليمة , وحتى تاريخ نشر هذا التحقيق لا زلن يعرضن لاتمام محاكمتهن.

قصة تحاكي الأفلام

السجينة "ك" 41 عاما انتهت من تناول إفطارها وعادت إلى فرشتها متربعة لتروى حكايتها ،فقصتها تحاكي الأفلام وربما قد لا يصدقها العقل لتشابك تفاصيلها.

"الدخول إلى السجن لم يكن بالشيء العادي بالنسبة لي ولم أتوقع يوما أن ادخله لاسيما وان سبب دخولي هم أهلي الذين من المفترض أن يحمونني ويسترون علي في حال أخطأت".. بتلك الكلمات بدأت السجينة تروى تفاصيل حكايتها.

وقالت:"زوجني أهلي إلى ابن عمي الذي كان يطمع في ،فقد تجرعت على يديه ويلات العذاب ولم أذق للراحة طعم عنده ،بالرغم من إنجابي له خمسة من الأبناء الذين لم يشفع وجودهم لي بشيء".

وبحسب روايتها لم تتحمل "ك " العذاب والضرب المبرح الذي كانت تتعرض له حتى لجأت إلى المحكمة لتطليقها وكان لها الطلاق الذي نغص عليها حياتها أكثر من زواجها.

وضعت السجينة كوب الشاي – الذي كانت تحتسيه - إلى الجانب منها وشبكت أصابعها سارحة في عالم الخيال قليلا ثم عادت لتستكمل قصتها:"بعدما طلقت تقدم لخطبتي شاب من غزة وافقت عليه ،لكن أهلي رفضوه عدا واحد من إخوتي وافق وطار بي إلى الأردن لعقد قراني على زوجي الغزي الذي أنجبت منه ثلاثة من الأبناء".

وروت أنها مع كل مرة كانت تضع فيها مولودا من زوجها الغزي لم يكن بجانبها ، لذلك استغل أهلها غيابه واحرقوا كافة المستندات التي تثبت زواجها منه ليسجلوا الأولاد باسم طليقها من أجل الضغط عليها للعودة إليه.

غير شرعية

صمتت "ك " ثم ارتشفت قليلا من الشاي وقالت:" جئت إلى غزة في أوائل الصيف، فكانت رحلتي شاقة حيث مررت بعدة حواجز للوصول إلى مصر ومكثت فيها عدة أسابيع إلى أن نفد ما بحوزتي من مال مما اضطرني إلى دخول القطاع عبر الأنفاق".

وأوضحت انه بعد مجيئها إلى قطاع غزة بخمسة عشر يوما أرسلت الشرطة بلاغا لها وللرجل الذي تدعي انه زوجها بتهمة إقامة علاقة غير شرعية بينهما .

ابتلعت السجينة ريقها وجلست على ركبتيها, وأضافت:"صدر الحكم بترحيلي إلى الضفة لكنني هربت حيث يسكن أقارب زوجي بدير البلح "، موضحة أن هروبها لم يدم وتم حبسها مع التجديد, على حد قولها.

وذكرت السجينة بان قانونية من مركز الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان جاءت إلى السجن لتساعدها في حل قضيتها.

 وفور سماع "الرسالة " ذلك توجهت إلى القانونية صبحيه جمعة للتعرف على ما توصلت إليه خلال متابعتها لتلك القضية حيث ذكرت انه لا يوجد أي إثبات يفيد بان السجينة على علاقة بزوجها.

وقالت :"حاولت كثيرا مساعدتها ولا يوجد أي دليل يؤكد علاقتها بزوجها الغزي أو أنها مطلقة من ابن عمها"، موضحة أنها مع كل مرة كانت تزورها تسألها عن المحكمة التي طلقت منها أو تزوجت الغزي فيها لكنها كانت تخرج بحجج واهية مدعية أنها نسيت اسم المحكمة ومكانها .

وردا على ما ادعته السجينة "ك " بان أهلها احرقوا مستنداتها التي تثبت زواجها أكدت القانونية جمعة انه من السهولة استخراج عقد زواج أو طلاق من المحكمة في حال تم فقدانه، مشيرة إلى أنها في احدى المرات التي زارت السجينة فيها أخبرتها أنها ذاهبة إلى حضور مؤتمر بالأردن وتريد عنوان المحكمة التي عقدت قرانها بها لتستخرج لها عقد زواج بدل فاقد إلا أنها كانت تتهرب من الإجابة.

وحول تسجيل أبنائها الثلاثة من زوجها الغزي باسم طليقها استغربت جمعة كيف لامرأة تمتلك القوة لتأتي من الضفة إلى غزة عبر الأنفاق  ولا تستطيع تسجيل أبنائها باسم زوجها بالإضافة إلى عدم تحرك زوجها لاسترجاع أولاده .

وأوضحت أنها حاولت مساعدتها بشتى الطرق وتحدثت مع جهة نسويه إيوائية لوضعها فيها إلا أن الجهة رفضت إيوائها إلا بعد التأكد من تفاصيل قصتها ، لافتة إلى أنها حذرتها مرارا بان سكوتها سيجعلها قابعة في السجن لعشرة سنوات لكنها غير آبهة لما يحدث.

قتل جارتها

حكاية أخرى تروى من خلف قضبان السجن لفتاة لم تتجاوز الـ22 ربيعا ، فقصتها بدأت قبل ما يقارب الأربع أعوام فهي أقدم سجينة موقوفة حيث رأت العشرات من السجينات اللواتي آتين إلى السجن حاملات معهن مختلف القضايا فمنهن المتهمة بالشرف أو السرقة أو العمالة وغير ذلك من القضايا التي تحتويها ملفات الشرطة.

الفتاة "ت " كانت بعمر الـ 18 حينما ربيعا أقدمت على قتل جارتها التي اتهمتها بشرفها مما دفعها إلي سحب سلاح ناري لأحد إخوانها الذين يعملون بالشرطة مصوبة إياه تجاه الجارة  كما ادعت.

لم تمانع الفتاة سرد تفاصيل حكايتها "للرسالة" حيث جلست على الأرض على ركبتيها قائلة :"حينما أطلقت الرصاص لم يكن أحد في البيت ولم أتمالك نفسي لما سمعته من إشاعات قذفتني بها جارتي "، موضحة أن أهلها حينما عادوا من الخارج أصيبوا بصدمة جراء ما قامت به .

لكن الرسالة علمت من مصادر موثوقة أن جميع إخوانها كانوا متواجدين في المنزل حينما ارتكبت جريمتها.

وأثناء حديثها ذكرت بان بعض الأدلة أفادت بان أخيها هو من قتل وأنها حملت القضية عنه ، واضعة رأسها بين ركبتيها وكأنها ندمت على البوح بذلك.

باكت قليلا ثم تابعت:" أثناء وجودي في سجن السرايا تعرضت للابتزاز من قبل بعض السجينات للحصول على المال ، بالإضافة إلى أنني تعلمت التدخين لكنني أقلعت الآن عنه ".

وعن خروجها من السجن أثناء الحرب لتعود إلى أهلها بينت أن إخوتها الصغار كانوا يخافون الاقتراب منها لكنهم بعد فترة اعتادوا علي وجودها بينهم.

وتضيف بان لها أخوات اكبر منها أنهين دراستهن الجامعية إلا انه لا احد يطرق بابهن للزواج لتواجدها في السجن .

وحول كيفية قضاء وقتها بالسجن أشارت إلى أنها تمضيه بالرسم والتطريز والصلاة بالإضافة إلى  سماع الندوات الدينية  وذلك حينما تأتي بعض الداعيات لإعطائهن بعض الدروس الدينية، لافتة إلى أنها لا تود التواصل مع أي سجينة عندما تخرج لأنها تنوي طي صفحة الماضي  لتبدأ حياة جديدة وذلك بعدما يتمكن والدها من جمع مال الدية.

الضمان الوحيد

أما الثلاثينية "ع " التي كانت تستمع إلى حكايا من معها من السجينات اللواتي كن يروين قصصهن ، استغلت انتهاء احداهن لتشير "للرسالة" بأنها ترغب بالحديث عن حكايتها بعدما كانت منشغلة في تطريز قطعة القماش التي أحضرتها إليها الأخصائية النفسية ، فقصتها مغايرة لسابقتها فهي تقبع في السجن ليست كمتهمة إنما خشية أن يقتلها ذويها كما روت.

وذكرت بأنها كانت مطلقة و تنتظر أي رجل يطرق بابها لتتزوجه إلى أن تقدم رجل أربعيني قبلت به زوجا بالرغم من انه متزوج ولديه العديد من الأبناء ويسكن في بيت للإيجار.

وبحسب السجينة فقد تحملت المشاكل التي كانت تفتعلها ضرتها خشية أن تعود إلى أهلها ، بالإضافة إلى أنها لم تكن يوما لتهنئ بالجلوس مع زوجها إلا وتأتي ضرتها أو ترسل بناتها للتنغيص عليها.

وأوضحت أن معاملة زوجها تغيرت بعدما رفضت التنازل له عن مؤخر صداقها الذي تعتبره الضمان الوحيد لبقائها معه، لافتة إلى انه كان يحرمها من زيارة أهلها فقليلا ما كانت تذهب إليهم بحسب قولها.

توقفت "ع " عن الكلام لتشغل غرزة في قطعة التطريز التي كانت منهمكة في إعدادها لتستطرد قائلة:" في احدى المرات كنت وزوجي في أحسن حال إلى أن طرق أخي الباب فتفاجأ بعدم وجود أي مشكلة بيننا "،موضحة أن أخيها كان قد جاء حاملا بيده ورقة استدعاء من المحكمة لحضور جلسة طلاق لها من زوجها مما أصابها بحالة هستيرية جعلتها غير مستدركة للوضع الذي هي فيه.

وأضافت :" انهال أخي علي بالضرب لما رآه مما جعلني افر من البيت هاربة إلى صديقة لي في غزة".

وبحسب ما روته النزيلة "للرسالة" انه بعد يومين من اختفائها تقدم أهلها بشكوى تفيد بان زوجها قتلها ودفن جثتها مما دفعها للعودة إليهم، منوهة أنها حينما عادت ربطها أخيها وقام بضربها واتهامها بإقامة علاقة غير شرعية مما دفعها للهرب مجددا.

و كانت آثار الضرب بادية على جسدها إلى أن رأتها امرأة وأخذتها إلى المستشفى لعمل الفحوصات اللازمة مما جعل الأطباء يستدعون الشرطة لفتح محضر، وحينما تم إبلاغ ذويها عن مكانها رفضوا عودتها وقالوا: أنهم إذا رأوها سيقتلونها ،مما دفع الشرطة لوضعها بالسجن مؤقتا لحين إيجاد مكان آخر يحميها من أهلها وذلك حسب روايتها.

وتشير إلى أنها تقضي جل وقتها بالتطريز وسماع الإذاعات المحلية ، بالإضافة إلى الرسم والحديث بحذر مع السجينات.

الطعام صحي

من جهته ذكر مدير السجن المقدم ناصر سليمان أن عدد النزيلات في السجن لا يتجاوز الستة سجينات، موضحا انه في الغالب يتم مغادرتهن وذلك لان وضعهن في المجتمع لا يسمح بوجودهن بالسجن ماعدا نزيلات التهم الخطيرة كالقتل أو العمالة.

وعن كيفية التعامل مع السجينات قال سليمان:"يتم التعامل معهن حسب القانون فنساء الأمن هن من يقمن بتفتيشهن فور وصولهن إلى السجن ".

وأضاف:"لدينا طاقم من الشرطة النسائية لاستقبال السجينة فور وصولها لتسجيلها في سجل الأحوال ومن ثم عمل ملف قانوني يوقع مدير السجن عليه  لوضعها في سجن النساء".

وبالنسبة للمعاملة التي يتلقينها النزيلات داخل السجن أكد أن جميع المعاملات صحية بما فيها الطعام ، بالإضافة إلى توفير الاتصال لهن بذويهن من خلال الأخوات في الشرطة النسوية .

من جهة أخرى ذكرت أم احمد إحدى العاملات في سجن أنصار أنها ومن معها من العاملات يقمن بتوفير ما تحتاجه السجينات من متطلبات بحدود المعقول.

وأشارت إلى انه فور وصول السجينة يدخلنها لتغتسل ومن ثم تتوضأ وتصلي وتستغفر الله عله يغفر لها ما ارتكبته،موضحة أن هناك بعضا من النزيلات يمتزن بالوقاحة ولا ينفذن ما يطلب منهن بسهولة.

وأوضحت أم احمد أن علاقتها مع النزيلات تتم بحدود المعقول  ولا تتعاطف مع أي واحدة منهن لأنها لا تعرف مدى مصداقيتهن ، لافتة إلى أن الكثير منهن يتلاعبن  في سرد روايتهن.

وقالت:"تأتي بعض الداعيات إلى السجن لوعظ النزيلات وإعطائهن الدروس الدينية ، بالإضافة إلى أنهن يحضرن لهن بعض المطرزات لملء وقت فراغهن".

وبالرغم من وجود الكثير من الحكايا خلف قضبان سجن أنصار المركزي إلا أن ما روته نزيلاته ليس بالحقيقة الكاملة فجميعهن بحاجة إلى طبيب نفسي أكثر من القاضي والسجان، و أن الحقيقة لا تزال مختفية في زوايا السجن المظلمة.