لا تمل عيناك النظر إلى جمال الأشجار التي تغطي منطقة المحررات جنوب مدينة غزة، مظللة تلك المساحة الصفراء التي تخفي في باطنها أعذب مياه القطاع.
المشهد السابق يُخفي خلفه كارثة تحدق بسكان القطاع نتيجة الإهدار الكبير للمياه العذبة والاستنزاف المستمر الذي أنهك الخزان الجوفي بسبب الزراعة في تلك المحررات.
زراعة أراضي المحررات تستهلك ضعف كمية المياه في الري مقارنة بالأراضي الزراعية الأخرى، على حد قول مختصين.
وتغطي المساحة الكلية لأراضي المحررات في المناطق الجنوبية حوالي 42 كيلو متر مربع من مساحة قطاع غزة، حيث اتجهت وزارة الزراعة إلى استغلالها في زراعة المحاصيل المتنوعة من الفواكه والخضراوات بعد انسحاب الاحتلال (الاسرائيلي) عنها قبل عشرة أعوام.
ووفق سلطة المياه فإن الكثبان الرملية في أراضي المحررات تعمل بشكل كبير على تصفية مياه الأمطار مما يجعلها أكثر عذوبة وتتسبب في انعاش الخزان الجوفي.
وتحوي أراضي المحررات أكثر من 80% من المياه التي يقل محتواها عن 250 ملليجرام لتر الكلوريد لكنها أصبحت مهددة بالتملح في الآونة الأخيرة، بحسب تقرير وزارة الزراعة.
سلطة المياه: الاستخراج غير الآمن للمياه تسبب بعجز 4 ملايين متر مكعب سنويا والزراعة لا تستجيب لنا
المعلومات التي حصلت عليها "الرسالة" دفعت طاقمها للتحقيق في الأسباب التي ستؤدي إلى وقوع هذه الكارثة خلال الخمس سنوات القادمة وفق آخر تقرير صدر عن سلطة المياه.
وحول الخطر الذي بات يهدد الخزان الجوفي، فإن مدير سلطة المياه في غزة المهندس مازن البنا قال، إن سلطته توجهت بإخطاراتها للجمعيات التي تقوم بزارعة أراضي المحررات من أجل ترخيص وتنظيم عمل آبارها، كما طرقت أبواب وزارة الزراعة والادارة العامة للمحررات عدة مرات لكن دون مُجيب.
وأكد البنا وجود ما يقارب 46 بئر غير مرخص تابع للجمعيات التي تعمل على زراعة أراضي المحررات ضاعف من زيادة سحب المياه في الخزان الجوفي وجعل نسبة العجز 4 ملايين متر مكعب سنويا.
"الرسالة" وأثناء تحقيقها توصلت في مقارنة أجرتها بين سحب المياه في الوقت الحاضر وسحب المياه في الوقت الذي كان الاحتلال يزرع المحررات، فوجدت أن نسبة الفائض في ذات الوقت كان يصل مليون متر مكعب سنوياً، لأن الاحتلال كان يعتمد أثناء زراعته للمحررات على الاستخراج المنظم للمياه.
وتُشير المعلومات التي حصلت عليها "الرسالة" من سلطة المياه إلى أن عدد آبار المياه التي كان يستخدمها الاحتلال في منطقة المحررات قبل الانسحاب منها عام 2005، لا تتجاوز الـ20 بئر، وقد تم حفرها على بعد 1000 متر من شاطئ البحر لاصطياد مياه الأمطار التي تغذي الخزان الجوفي من خلال الأراضي التي تقع شرق هذه الآبار، فيما كان يتراوح معدل الضخ من تلك الآبار ما بين 30-20 متر مكعب في الساعة، علماً انها كانت تعمل على مدار الساعة يومياً.
بينما زاد عدد تلك الآبار إلى ثلاثة أضعاف، حيث قامت الجمعيات الزراعية التي تستثمر داخل أراضي المحررات بحفر ما يقارب الـ30 بئرا، بالإضافة إلى حفر البلدية لـ16 بئرا مما زاد معدلات الضح التي تراوحت في آبار البلدية ما بين 60-70 مترا مكعبا في الساعة بينما تتراوح معدلات الضخ من آبار الجمعيات من 60-120 مترا مكعبا في الساعة.
وبالعودة إلى المهندس مازن البنا فإنه يوضح أن هناك تجاوزات كبيرة تهدد أفضل ثروة مائية في قطاع غزة.
ويلفت البنا إلى أن نقص المياه في الخزان الجوفي يهدد بدخول مياه البحر المالحة من اجل سد العجز المتسبب عن الاهدار الكبير للمياه.
جودة البيئة: استهلاك دونم واحد من المياه في المحررات يعادل استهلاك ستة دونمات في التربة الطينية
مياه بديلة
الرسالة بدورها نقلت تلك التهديدات ووضعتها على طاولة الوكيل المساعد لوزارة الزراعة صالح بخيت، والذي قال أن تلك المعطيات تُأخذ بالحسبان لكن بنسب متفاوتة فوزارته تراعي مصلحة تحقيق الامن الغذائي ومصلحة الحفاظ على المخزون الجوفي من المياه.
ويضيف المهندس بخيت أنهم يبذلون كافة جهودهم من أجل الموازنة بين المطلبين وعدم تغليب مصلحة على أُخرى.
وأوضح أنهم يتجنبون زراعة المحاصيل التي تستهلك كميات كبيرة من المياه العذبة مثل الفراولة والورود والتي ألغت زراعتها في أراضي المحررات في الآونة الأخيرة.
وأكد بخيت أنهم بصدد ايجاد مصادر مياه بديلة مثل اعادة استخدام المياه العادمة في ري المحاصيل الزراعية، مبيناً أن خطتهم القادمة ستكون نقل الزراعة من المحررات الى الاراضي الحدودية، لكن هذا الأمر يحتاج وقت وتمويل بسبب الحصار وقلة الامكانيات والظرف الأمني الذي يمنع من الوصول للأراضي الحدودية.
لا بديل
"الرسالة" توجهت إلى جنوب القطاع حيث منطقة المحررات لمعاينة الوضع، والتقت بمدير الإدارة العامة للمحررات والتي تُشرف على تأجير الجمعيات الزراعة وطرقت أبوابهم.
وهنا قال محمد الشاعر المدير العام لإدارة المحررات إن فشل المشاريع الحيوانية والمشاريع الأخرى هو ما أجبرهم على استغلال أراضي المحررات في الزراعة، ووضعهم أمام خيارين إما زراعتها أو تركها تبقى بوراً.
ويضيف الشاعر لـ"الرسالة" أن زراعة المحررات ساهمت في الاكتفاء الذاتي لقطاع غزة في الكثير من المحاصيل وأدى إلى توفير محاصيل أخرى بسعر مناسب.
وبحسب الشاعر فإن الإدارة العامة للمحررات تضع صوب أعينها تهديد نقص الخزان الجوفي، الأمر الذي دفعهم لتعزيز التربة الرملية الموجود في المحررات بتربة طينية من خلال الاستفادة من المشاريع القطرية وجلب كميات كبيرة من التربة الطينية المستخرجة من شارع صلاح الدين منذ عامين.
وتحاول الزراعة برفقة المعنيين الاعتماد على الري بالمياه المعالجة في المحررات من خلال انشاء محطات لمعالجة المياه العادمة والتي ستكون جاهزة خلال الثلاثة سنوات القادمة في مدينة خانيونس ورفح جنوب القطاع، مما سيحافظ على الخزان الجوفي ويجعله يسترد عافيته في السنوات القادمة، على حد وصفه.
التربة والري: زراعة المحررات تستنزف 8 ملايين متر مكعب في العام من الخزان الجوفي
وحول شكوى سلطة المياه من وجود آبار غير مرخصة للجمعيات التي تؤجرها الإدارة العامة للمحررات، قال الشاعر أنهم يجبرون الجمعيات بالتوقيع على تعهد يضمن ترخيص البئر من سلطة المياه، واتهم الشاعر سلطة المياه بالتقصير في معاقبة المخالفين وهو الأمر الذي يشجع مالكي الآبار على عدم ترخيصها.
استنزاف كبير
وحول كمية المياه المستنزفة من الخزان الجوفي طرقت "الرسالة" أبواب مديرية التربة والرأي في وزارة الزراعة والتي أكدت بدورها أن تميُز أرض المحررات بالتربة الرملية هو ما ضاعف حجم استهلاكها للمياه مقارنة بالتربة الطينية.
** نافذة/ ويقول المهندس شفيق العراوي مدير عام التربة والري إن منطقة المحررات تستنزف حوالي 8 مليون متر مكعب في السنة، وحسب المياه في الخزان الجوفي فإن كمية المياه المحددة للمحررات يفترض ان لا تتجاوز 4 ملايين متر مكعب.
ويضيف العراوي لـ"الرسالة": "حجم الاستنزاف الكبير للخزان الجوفي سيؤدي إلى انخفاض في منسوب المياه وكلما حدث انخفاض في منسوب المياه، اتجهنا الى المياه المالحة وبالتالي تدهور نوعية المياه في تلك المنطقة".
الادارة العامة للمحررات: زراعة المحررات تستهلك كميات كبيرة من الماء لكن لا يوجد بدائل
ويستشهد العراوي بمنطقة المصبح الواقعة بين مدينة رفح وخانيونس والتي تجاوز مستوى الانخفاض في الـ15 متر مما أعطى فرصة لمياه البحر في الدخول لسد الفراغ الطبيعي الأمر الذي أدي لملوحة المياه.
ويبين أن استخدام المياه المعالجة في ري المحاصيل بديل جيد لكن يجب أن يراعي المعايير الفلسطينية في الري والتي يحرم القانون الفلسطيني فيها ري الخضراوات.
خطر واضح
في المقابل سلطة جودة البيئة لا ترى في طريقة الري بالمياه المعالجة حلاً بل هي تساهم في تعميق الأزمة.
مدير سلطة جودة البيئة الدكتور تامر الصليبي يرى أن الري بالمياه المعالجة يشكل خطرا كبيرا على الخزان الجوفي ويؤدي الى تلويثه لان التربة الرملية تُسرّب المياه المعالجة للخزان الجوفي بعد سنوات.
ويقول " استخدام المياه المعالجة اذا كانت مطابقة للمواصفات التي يسمح باستخدامها لأغراض زراعية تكون جيدة بالمستوى المطلوب حسب المعايير الدولية الخاصة بالمعايير الزراعية".
ويضيف الصليبي لـ"الرسالة" أن عملية معالجة المياه العادمة في قطاع غزة لا ترتقي للمستوى المطلوب ولا تحقق الجودة العالمية للمعايير العالمية من اجل استخدامها لأغراض الزراعة، مرجعاً ذلك إلى كثرة انقطاع التيار الكهربائي وقلة الامكانيات التي تؤثر بشكل كبير على عمل محطات المعالجة.
ويؤكد الصليبي أن سلطة جودة البيئة دعت وزارة الزارعة إلى ضرورة نقل الأراضي الزراعة من المحررات إلى المناطق الشرقية التي تمتاز تربتها بالتربة الطينية، لكن استجابة الأخيرة كانت ضعيفة.
وزارة الزراعة: نراعي مصلحة تحقيق الامن الغذائي ومصلحة الحفاظ على المخزون الجوفي
ورداً على الحديث عن خطر الري بالمياه المعالجة، فإن مدير الإدارة العامة للمحررات محمد الشاعر يقول إن إدارته لديها مهندسون وفنيون ومتخصصون قائمين على مشاريع إعادة معالجة المياه حسب المعايير المطلوب ويعملون على تطويرها بين فترة وأخرى.
وخلص مُعد التحقيق إلى أن مصادر المياه الجوفية جنوب القطاع أصبحت مستنزفة بشكل كبير، مما سيؤدي إلى زيادة نسبة الأملاح في المياه الجوفية بسبب تداخلها مع مياه البحر، وأن عملية التنمية الزراعية داخل أراضي المحررات لا تأخذ بعين الاعتبار الاستخراج الآمن من الخزان الجوفي كما كان في عهد الاحتلال (الاسرائيلي) لتلك المناطق، الأمر الذي سيؤدي إلى استنزاف مصادر المياه العذبة في هذه المنطقة خلال الخمس سنوات القادمة.
ويوصى التحقيق بضرورة ترخيص الجهات المختصة لجميع آبار المياه وتنظيم معدلات الصرف داخل أراضي المحررات بحيث لا تزيد عن 30-40 مترا مكعبا سنوياً، واعادة النظر في استغلال الأراضي الزراعية وتوزيعها على كامل المحررات شمالاً وجنوباً بما يتناسب مع الاستخراج المنظم للمياه من الخزان الجوفي.