"زينة العمور".. الفدائية التي أهدت أرضها للمقاومة وروحها للوطن

 الحاجة زينة العمور
الحاجة زينة العمور

الرسالة نت-محمود فودة

"استشهدت أم هاني" مرّ النبأ كالصاعقة على مسامع سكان بلدة الفخاري شرق خانيونس، ولفراقها حزن الثائرون، الذين على تراب أرضٍ أهدتهم إياها يسيرون، ويقاومون منْ أراق دماءها بين محصولٍ رحلت دون أن تكحل عيناها بحصاده.

ما إنْ خفّت حرارة الجو في المنطقة الحدودية، اصطحبت الحاجة زينة العمور "60 عاما" حفيدها أمير، إلى أرضها الواقعة قرب الشريط الحدودي مع أراضينا المحتلة عام 1948، لتأتي بطعام الدواب في حظيرتها، بينما لم تكترث لسخونة المناخ الأمني في مكان وجهتها.

ظنّت أن كبر سنها سيشفع لها عند عدوها التي لا تعترف به، قولا وفعلا، بعد أن رسمت في غرفة نومها حروفٍ فرط بها الكثيرون "لن نعترف بإسرائيل"، وفعلا بأن أهدت جزءًا من أرضها للمقاومة الفلسطينية؛ لاستثمارها في أعمالهم الفدائية ضد قوات الاحتلال المتمركزة على الشريط الحدودي.

وعلى لسان غازي ابنها الثلاثيني قالت الحاجة زينة قبل مغادرتها المنزل: "ما بقصفوني اليهود، أنا عجوز"، وأهملت طلب الحاضرين بعدم الذهاب للأرض، إصرارها أوصلها إلى حقلها الممتلئ بسنابل "الشعير"، بينما انتظر الأبناء الخمسة عودة والدتهم في فناء البيت.

كبقية المزارعين تعرضت الحاجة زينة خلال الأشهر الماضية للموت مراتٍ ومرات، إلا أنها مع كل رصاصة يطلقها الجندي الممتعض من صمود الفلسطيني بأرضه، تزداد رغبتها في إحياء الأرض بالنبات والإنسان المقاوم.

وعن ذلك يقول غازي بصوتٍ خافت وعيناه تنظر إلى لوحة تحتضن ملامح أمه: "أكثر وحدة فينا متعلقة بالأرض والاهتمام فيها الوالدة الله يرحمها، تقضي غالب وقتها في حقل الشعير، رغم خطورة الأوضاع في المنطقة الحدودية".

وصلت إلى أرضها التي حاول الاحتلال اغتصابها عنوةً، دقائق معدودة، جمعت خلالها الحاجة أم هاني بعضا من سنابل "الشعير" لتقدمه عشاءً لدوابها التي تنتظر في منزلها، وخلال وضعها لما حصدته في كيس يشابه لونه نقاء قلبها، قطعت قذيفة مدفعية "إسرائيلية" يدها، ومزقت رقبتها التي حملت أمانة تربية الأبناء بعد وفاة زوجها، وعهدة التضحية للوطن.

وعن تفاصيل ما جرى، يقول حفيدها أمير لـ "الرسالة": "انتهت جدتي من جمع الشعير، وبدأت في تحضير الكارو والحمار لنعود إلى المنزل، دوى انفجار كبير في المكان، بعد أن زال الغبار، وجدت جدتي ملقاة على الأرض والدماء على جسدها".

الشاب أمير "19 عاما" الذي أصيب بجروح طفيفة، تماسك عن البكاء حينما قال "جدتي فدائية، صادقة في حبها للمقاومة والقضية"، بينما رأينا مشهد الموت بين عينيه التي أثقلها دموع الحزن على جدته " الحجة الطيبة" كما يحلو لسكان الحي تسميتها.

"الأقصى في عيوننا" كتبتها بيدها على جدار غرفتها من الداخل، دون زخرفة أو فن، وإلى جوارها "لن نعترف بإسرائيل"، لم يكن الأقصى وحده في عينيها، بل إلى جواره المقاومة والأرض والتضحية والفداء، بعد أن قدمت روحها رخيصة من أجلهن.

لم تكن في رغد العيش تتمتع أم هاني، فهي التي ربت أبناءها الأيتام بعد وفاة والدهم وهم في سن الصغر، إلى أن سلمت الأمانة إلى زوجاتهم، ورغم ذلك، بقيت الحنونة التي تجمعهم كل مساء، وتودعهم بالدعاء الذي لا ينتهي برحيلهم.

الحاجة زينة، سيذكرها التاريخ في روايات الفداء، فهي التي قتلت مظلومةٌ، والفدائية التي دعمت المقاومة بمالها وأرضها قبل روحها، والأمينة التي حافظت على الأرض الفلسطينية من عبث المحتل، وتركت رجالا ربتهم على حب فلسطين ومن ثم حبها.

 

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير