"تبادل الأرض" يُجهز على مستقبل القدس واللاجئين

الرسالة-محمد بلّور

البكائية التي غلبت على خطاب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في مجلس الأمن الدولي لا تغفر له تعريجه على إمكانية (تبادل طفيف للأراضي) في أي حل قادم، إذ أن السمّ هذه المرة لا يدسّ في العسل، وإنما يشهر على منبر أكبر المؤسسات الدولية لينال وسم العالم بأسره.

طوال (25) عاما من التسوية أقرّت السلطة الفلسطينية بـ (78%) من أرض فلسطين التاريخية لكيان الاحتلال، وفي زمن ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني الراحل كانت المفاوضات تدور حول تبادل (2.5%) من الأرض، ثم تدرجت في آخر جولات التفاوض بعد عام (2002) عقب عملية السور الواقي إلى (12%) حتى انكفأ الاحتلال ورفض النسبة بمجملها فارضاً سياسة الأمر الواقع بالاستيطان والتهويد.

وكان عباس، ألقى خطاباً أمام مجلس الأمن الدولي مساء الثلاثاء عما وصفه بـ "خطة للسلام"، تعالج الإشكالات الجوهرية، بعد فشل مساعي السلام بين سلطته والاحتلال ورد فيه نصاً ( قبول تبادل طفيف للأرض بالقيمة والمثل بموافقة الطرفين).

وأوضح عباس في كلمته خلال جلسة استثنائية لمجلس الأمن لبحث حالة الشرق الأوسط وعلى رأسها قضية فلسطين، أن الخطة تدعو إلى عقد مؤتمر دولي للسلام في منتصف 2018، يستند لقرارات الشرعية الدولية، بمشاركة الطرفين الفلسطيني و"الإسرائيلي"، والأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة، على غرار مؤتمر باريس للسلام أو مشروع المؤتمر في موسكو.

يوبيل الإخفاق

ما كرره عبّاس على مسمع مجلس الأمن عن إصراره على إنفاذ قرارات الشرعية الدولية وتجميد الاستيطان نال به (اليوبيل الفضّي) فموفقه مكرر من ربع قرن مضى من التسوية المتعثّرة.

الاحتلال يريد السيطرة على كامل الضفة المحتلة التي أضحت (6) كانتونات معزولة وعلى رأسها منطقة (C) التي تشكل (61%) من أرض الضفة وتحويل سكانها إلى ما كان سابقاً إدارة مدنية دون وجود سلطة حقيقية للفلسطينيين.

ويعقّب د. جمال عمرو الخبير في شئون القدس والاستيطان على خطاب عبّاس وتناوله تبادل الأراضي بالقول: "إن جوهر الخطاب برمّته لم يخرج عن سقف (أوسلو) ومبادرة السلام العربية عام (2002) لكنه نال طابع الاستجداء وافتقر لخطة بديلة بعد فشل ربع قرن".

ويضيف:" كل شيء بدا خاضعا للتفاوض وكذلك الأرض ممكن تبادلها ولكن المرحلة الآن أزاح فيها ترامب القدس عن الطاولة وتضاعف الاستيطان 3 مرات وفي خطابه لم يضع الدول الراعية للسلام أمام مسئوليتها لتفرض رؤيتها بل ظلت شاهدة على المرحلة فقط".

التساؤل الذي طرحه محللون للخطاب من لحظة انتهائه، ومنهم الخبير عمرو هو: "من منح عبّاس حق التفاوض عن تبادل أرض الوطن فلسطين والتنازل عن كثير منها؟".

ويتابع: "إسرائيل منشغلة كثيراً بإتمام تهويد ثم تبادل الحوض الثاني الذي يشكل تجمع غوش عتصيون وبه 70% من مياه الضفة في أرض تعد الأكثر خصوبة وتمتد من القدس-بيت لحم حتى مشارف الخليل".

كما تركّز (إسرائيل) على ترسيم مستوطنات (معاليه أدوميم وآرئيل) في وسط وشمال الضفة المحتلة وعدم التفاوض عليها مع إمكانية مبادلة جزء صغير في مناطق أخرى وقد بدا خطاب عبّاس مقرّا بالواقع الجديد.

ويقول د. محمود العجرمي المحلل السياسي: "إن خطاب عبّاس جدد الاعتراف بـ(إسرائيل) فوق أكثر من (78%) من أرض فلسطين دون أن تعترف (إسرائيل) بأي كيان فلسطيني".

ويتابع: "السلطة التشريعية لأي نظام سياسي تحافظ على الإقليم والسكان والموارد الطبيعية ولا حق للرئيس ولا غيره أن يفرّط أو يبادل الأرض ولا السكان ولا الموارد وموقعه لا يمنحه ذلك قانوناً".

القدس جوهر القضية

ما حدث من إدارة (ترامب) في ملف القدس بدءً من قرارها نقل السفارة وفرض الرؤية الصهيوأمريكية لمستقبل القدس وتفريغها من الوجود الحقيقي الفلسطيني يتضمن خطورة فقدان أرض فلسطينية تاريخية.

ويقول الخبير عمرو إنه متعجّب من خطاب عبّاس الذي تحدث عن حلول ترضي الطرفين للاجئين وعلى رأسهم أهل القدس في حين لم يبق أكثر من (18%) من القدس الشرقية واختفت (39) حيا سكنيا من الوجود في الشطر الغربي.

ودعمت إدارة (ترامب) في خطاب سابق إبقاء (10%) من أراض المستوطنات الكبرى ضمن سيادة الاحتلال.

ويحذر العجرمي من خطورة استفادة الاحتلال من الزمن في تهويد واستيطان مزيد من الأرض، مشيراً إلى أن ممثل (إسرائيل) في الأمم المتحدة (داني دانون) وبموقف متطابق مع (نيكي هيلي) ممثلة أمريكا في الأمم المتحدة ردوا على عباس بالقول: "إن القدس لا نقاش حولها".

ويتابع: "اتفاق أوسلو تعاطى مع السكان بأن تتحمل السلطة مسئوليتهم على الأرض وبلدة أبو ديس من عام 1994 يجري إعادة هيكلة لواقعها السياسي والمؤسساتي بمعرفة السلطة الفلسطينية".

صفقة سياسية

عجلة السياسة في صفقة القرن التي أشهر (ترامب) عقد قرانها قبل شهور بين (إسرائيل) والإقليم تمضي بشكل جيد وهي إن تعثّرت في بعض المحطات تحتاج إلى إعادة تكيّف في طرح المصطلحات السياسية ومزيد من اللقاءات السياسية لإعادة إنتاج النسخة الأصلية بألوان مقبولة لكافة الأطراف.

وإن كانت القدس عنوان (صفقة القرن) فثمّة مشروع يتعلق بتبادل وتوسعة حدود أي شكل لكيان فلسطيني أو دولة مستقبلية تمتد من غزة إلى أرض سيناء.

ويصف الخبير عمرو أي مشروع للتبادل مع سيناء بأنه سيكون مأساة لو وافقت مصر، مشيراً أن ملايين الدولارات تأتي من السعودية بحضور أمريكي وإسرائيلي لإفراغ سيناء حتى حدود العريش.

ويؤكد المحلل العجرمي أن مسألة السيطرة على الأرض زاد عدد المستوطنين من 65 ألف عام (1993) إلى 900 ألف حالياً، وأن تبادل الأرض سينعكس على فلسطيني عام (1948) الذين سيهجرهم الاحتلال أو يضمهم بالكامل لكيانه ويهوّد تباعاً الجليل الأعلى.

وفي ظل خطاب يتحدث فيه عباس عن حلول ترضي الطرفين-وهذا مستحيل-في ظل قراءة لممارسات التهويد والاستيطان على الأرض ومع إخراج الدول الكبرى فعلياً من التدخل في التسوية المقبلة تعيش السلطة حالة استفراد بين موقف (إسرائيل وأمريكا).