مكتوب: عيد في غزة ... ست بنات وست بكلات وقليل من البهجة  

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

غزة- رشا فرحات    

في العشر الأواخر من رمضان، وفي العام الثالث عشر من الحصار، وقبل خمسة أيام من عيد الفطر المبارك، العيد الأكثر وجعا وضيقا على قطاع غزة، حيث يصل الحصار ذروته وتفقد الحياة بسمتها فوق أكتاف طفل أتعبه التنقل بين المحال والتوسل إلى المارة ليشتروا منه ضمة نعناع، أو بالونين أو ثلاثة لكيلا يعود بكف فارغ لإخوته أو أمه، العيد الذي لن يلبس ثوبه الأبيض وهو يمر بعكاز أب فقد ابنه شهيدا في مسيرات العودة، وغدا لا يقوى على السير بدون عكازه.

في غزة أيضا ورغم كل شيء، هنالك من يبحث عن الفرح، أو من يضطر للبحث عنه، لان دفة الحياة يجب أن تسير، ويأتي العيد رغما عن اوجاعنا.

 ففي زاوية ما على الرصيف المقابل لعيادة الأونروا في حي النصر، ينادي البائع:" فرح بنتك بشيكل واحد بس، البكلة بشيكل" بينما تنسل الى جانبه امرأة تحمل بيدها اليمنى ست بكلات، وتضم في يدها اليسرى أربعة شواكل، وتعده بأن تسدد له الشيكلان بعد العيد، وترجوه بأن يساعدها في ادخال بهجة على قلوب بناتها الستة، ست بنات، ست بكلات، وقليل من البهجة.

ولن تختلف مأساوية المشهد لو سرت قليلا باتجاه حي الشيخ رضوان، وفي نهاية النصر توقف على باب بنك فلسطين، فسترى طابورا طويلا من المواطنين الذين سمعوا بموعد صرف شيكات الشؤون الاجتماعية والتي لم يعد لها موعد محدد، تأتي بدعوات المنكوبين، وربما إذا سرت بجانب الطابور الطويل ستقرأ معالم الوجوه، وستسمع تعليقات المواطنين، عن آلية صرف مبلغ لا يتجاوز الألف شيكل، يأتي كل ثلاثة شهور وربما أربعة، وربما في حالات كثيرة لا يأت!

رجل في بداية الطابور يقول لجاره الواقف إلى جانبه:" قلت للأولاد، صرفنا شيك الشؤون بنجيب أواعي للعيد، ما صرفنا فش" مكملا:" والله أنا أرزقي على سيارة أوقات بطلعلي عشرين ثلاثين شيكل، حق الطبخة، بقدرش على كسوة، هدول خمس ولاد!"

وربما تقدر على السير في الاتجاه المعاكس او تستقل سيارة أجرة لتصل إلى حي الرمال أو شارع عمر المختار المكان الأكثر اكتظاظا بالمتسوقين في مثل هذا اليوم من كل عام، سترى الازدحام كالعادة والباعة يعرضون بضاعته المتكدسة منذ أشهر بأرخص الأثمان، قطع من الملابس الجديدة التي لا يتعدى ثمن بعضها خمسة شواكل، أحذية مكومة يدلل عليها الباعة بأرخص الاسعار، ولا مشترين، يقول أحدهم:" من الصبح للفجر، الله وكيلك ما بنطلع الخمسين شيكل، فش مصاري".

وعلى باب أحد محلات الصرافة يفترش طفل لم يتجاوز عشرة أعوام المقعد بقدم تلفها جبيرة، يبيع بعضا من الحلوى الملونة التي أخبرنا بأن أمه تعبئها له في أكياس كل صباح، ليجلس بها هنا، ولكنه بات مكفهر الوجه حينما سألناه عن قدمه المجبرة، فأخبرنا متأففا من ثقل الجبيرة بأنه يشارك في مسيرات العودة كل جمعة، وبأنه سيشارك في كل الجمع، فهو برغم بؤسه، وبرغم الحياة التي أعقلت بابها في وجه طفولته، إلا انه على صغر سنه يرى باب مستقبله سيفتح فقط حينما تعود القدس، وتعود البلاد.

"كل الي شايفاهم ياختي بشتروش، زحمة على الفاضي" هذا ما قاله أحد أصحاب المحال التجارية مؤكدا أن معظم المارة أتوا من بيوتهم هربا من الحر وانقطاع الكهرباء، يتكدسون في الشوارع حتى ساعة متأخرة من الليل ويعودون ما قبل السحور بقليل، وكل ذلك بسبب انقطاع الرواتب الذي زاد من تأزم أوضاع القطاع.

أما في بيوت الشهداء، فحتما لا ذكر للعيد هناك، فغزة هذه المرة تستقبل عيدها ب 135 شهيدا، أقمار غزة الذين زينوا العيد بدمائهم ليثبتوا للعالم بأن غزة من حقها أن تعيش، من حقها أن تتذوق حلوى العيد ولول لمرة واحدة.