كانت تأتي من بعيدٍ بثوبها المزركش بألوان الدنيا لتحوِّل أنظار الجميع إليها. تغوص أقدامها الحنطية في الرمال الذهبية بوتيرة غير متكافئة فتنشئ تدرجاً لونياً رائقاً ما بين البُني والبرتقالي. يرتج اللحم الزائد منها متوافقاً مع أنفاسها المرتدة بهواء البحر المالح. تكشف النسمات الرحيمة جيدها فتسوي شالها على عجلةٍ وهي تلحق بالشباب. في لحاق خطواتها تحاول جاهدة أن تتوازن مع الثقل في يدها. كانت تحمل دلواً لغايةِ ما. ويبدو أنها تريد أن ترى قبل أن يروا ويخلص اشتدادهم. وكنا نحن على الشاطئ أيضاً نتوق لأن نرى.
وتمتد أبصارنا مجتازة كل الكتل التي تنتظر انتهاء خروج الشبكة. كان الأمر مشوقاً إذ إن الشباب اليافعين لم تستوِ عضلاتهم وتنضج بعد إلى الحد الذي يمكنهم من تحدي الموج في قوة مجيئه وانجرافه. كان أصغرهم يتقدم أحياناً ليأخذ موقعه في المقدمة ثم تتعاضد سواعده مع من خلفه كأنما جميعهم آلة سحبٍ ميكانيكية متناغمة الحركة. كانت السيقان ترجع إلى الخلف والأكتاف تجذب الجسد كله للوراء كأن هناك مغناطيس لا مرئي. وكان الموج يعاند أحياناً فيهم فينزاحون يميناً بحثاً عن انسياب يناسب قوتهم الجسمانية.
كانوا يشدون وتشرئب أعماقنا. يسحبون وتنسحب أنفاسنا. يتعثرون فتهوى قلوبنا. والصغار يشاهدون واقعة السحب بأعين مفلوقة فقد كان حبل الشبكة طويل بعد. والدقائق التي يستغرقها أطول من ارتشاف البراد المثلج بين أيديهم. وهاهم يرجعون للخلف وتبدأ عيون الشبكة الشفافة تلمع وسط صفحة الماء فيشدونها حتى تكاد أجسادهم تنبطح على الرمال. كان الكل يلمح أن الصيد ثقيل وثمين.
وقف بعض الرجال خلف الصيادين يحركون جيوبهم. رائحة السمك تفوح و تُعِب الصدور. والمرأة تقف متهلهلة الأسارير إذ يفاجئها طفل غريب بسمكة رمادية قبيحة الشكل. ممتلئة البدن. وجدها بالقرب من الصيادين. لكنها ميتة. ربما منذ فترة ليست بقريبة. أمسكت المرأة بشالها ومسحت به جبينها المالح ونادت زوجها وأبنائها: "شدوا الحيل أكثر" وتبتسم للشمس فتغار من اصفرار أسنانها! وتبدأ الشبكة بالسطوع أكثر.
وكنتُ أنا أقف بالقرب منها ويأكلني الفضول ويدغدغ خواصري حول هذه الأسرة الكاملة وهي تُلقي شباكها بثقة كاملة تمنحها للبحر وهو الذي يغدر، تظاهرت بالتعثر البسيط لأستند على بدنها وأوكز خاصرتها المتينة بمرفقي فتدير وجهها الأسمر الممتلئ بفجوات المسامات الجلدية الواسعة على جانبي أنفها المفلطح، وتنطق شفتيها الغليظتين بدماثة :" خير!"
قلتُ : " كل خير يا حجة" وسألت مسترسلاً : " من متى تصطادون هنا؟ لم أكن أراكم في الصيف الماضي"!
فأدارت جسدها كله بمقابلتي وأشاحت بعينيها اتجاه البحر وهي تقول " صحيح.. صحيح يا ابني، فلولا قساة القلوب ما افترشنا رمال البحر ليلاً ونهاراً" رددت مندهشاً : " ما معنى ليلاً ونهاراً"
فقالت: " كأنك لا تعلم كيف البلاد هربت روحها، والناس ميتين، و كل من له قلب طيب صار من حجر وطين و... "
كانت تحكي وهي تبعثر نظراتها في المساحة الحرة فوق البحر، وتُذهب لحظها إلى خط الأفق، وأغوص أنا في ذاكرتي متذكراً جارنا إسحاق وابنائه الثلاثة عشر وزوجته الممصوصة، فأشعر في الوخزة تنتقل من قلبي إلى لحم صدري، ومن صدري إلى أطرافي، يتخدر وقوفي فوق الرمال، وأستعيد أمام البحر مشاهد الصباح الساخن الذي استيقظت عليه وأسرتي منذ فترة ليست بعيدة، فقد كان ابراهيم يصرخ لصاحب العمارة وهو يطرده من الشقة -بعدما تراكمت مستحقات سداد أجرتها دون دفع- كانت حنجرته وأحباله الصوتية تندفع " الله لا يوفقك، ترمي اللحم والروح في شارع، في جو لاهب، أين نذهب، أين ننام"! وكنا نشاهد معركة أليمة من التلاسن الحاد لمسألة وجودية دون أن نحرك لها ساكناً. فالعجز الذي فينا أصاب ضمائرنا بالشلل المقيت، لقد كان الكُل يعيش على كف عفريت! الجميع يُفلس شيئاً فشيئاً، إن لم يكن اليوم فهو بعد حين، وكيف تسير الحياة وردية وعجلة الإفلاس تتفشى وتنخر عماد مجتمع بالكامل!
أمضيت سبع ليالٍ وأنا أتقلب في فراشي، يصارعني الأرق بتكرار المشهد الذي تكومت فيه زوجة إبراهيم وهي تنحني على الأرض تلتقط حبات الفاصولياء البيضاء الجافة التي سقطت من كيس مؤنتهم الوحيد، وجعلت الرصيف مرقطاً لنصف ساعة، وصغارها من حولها كصغار القطط تناثروا يجمعوا قوتهم قبل أن تلوثه المياه العادمة التي تزحف ناحيتهم.
لقد ذهبت العائلة، وبقي صراخ إبراهيم في الآذان التي استمعت له دون أن تنجده لفترة طويلة، وذهبت زوجته بوجهها التراجيدي، وخلفهم الصغار بسلسلة برية متشابكة الأيدي!
تزعزعت بتلقائية من مكاني، فدخلت بين أصابع قدمي ذرات رمال حارّة واجتازت مساحة من حذائي جعلتني أستفيق من التفكير وأنا ألاحظ أن الشبكة تظهر وفيها بعض أصداف البحر والحصى. لكن هناك ثقلاً رهيباً في مؤخرتها يؤخر. ولشوق الرجال على الشاطئ لحفلة شواء لسمكٍ طازج. تعاونوا على السحب. فتضاعفت القوة أضعافاً جعلت انكشاف الصيد للجميع يشهق شهقة ملتاعة كانت أخفض في صوتها من وجه السيدة وهو يروح خائباً ليستكين في الظل محملاً بالخيبة! بينما ذهبت عائلتها لإفراغ الشبكة من عشرات قناديل البحر. وعاد الرجال إلى استراحاتهم على الشاطئ يزدردون ما تبقى في ريقهم من ملوحة.