قناديل معلقة على بوابات الأقصى، أطفئت مرغمة لشهرين متتابعين، وها هي الآن بعد فتح الأبواب فجرا تعلق لينتشر نورها.
إنهم عشاق الأقصى، أصحاب القلوب المسكونة بالقباب والمآذن والباحات، يبدؤون فجر الأحد مهللين مكبرين واقفين على البوابة الخضراء بصوت واحد، يلتقطون صورة تعكس الأشواق، ويكبرون وكأنهم يصعدون جبل عرفة.
حياة خاصة بأهل القدس، عشق من طراز مختلف، ثبات رغم محاولات المحتل قطع الحبل السري الذي يربطهم بالأقصى كما يرتبط الجنين بأمه.
وليس هذا فحسب، بدأ المقدسيون بعد تكبيرهم بالهتاف متحدين المحتل الغاشم: "خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود"
.
ورغم محاولات الاحتلال استغلال جانحة كورونا وفرض سياسة الاغلاق ثم التقسيم والتغول وسرقة حقوق المصلين في صلواتهم، وفرض سياسة جديدة بحجة الالتزام بالشروط الصحية العامة، لكنه لم يستطع تمريرها على المقدسيين رغم فرضه لشروط تشمل عدد المصلين وأوقات الصلاة.
عاد المصلون بعد شهرين ووقفوا وقفتهم الأولى، وأعدوا للمسجد المهجور أنسه ومحبيه، بشروطهم لا بشروط (إسرائيل).
وبدا المصلون ملتزمين بقواعد السلامة، متباعدين وفقا للشروط العامة، ملتزمين بكماماتهم وبوسائل التعقيم، يحمل كل منهم سجادته ويركض وراء صوت الامام الذي يعلن إقامة صلاة الفجر ويمحو من كلماته جملة " صلوا في رحالكم" التي أوجعت قلوب المتعلقين بالأقصى.
صلوات المقدسيين اليوم فجرا ليست مجرد صلاة في مسجد، وإنما هي صلاة في ساحة المعركة، صلاة واجبة، صلاة المرابطين العارفين ماذا يعني للمحتل جمعهم أمام البوابات، عشرات يكبرون بأعلى صوتهم المشتاق.
ولأن الصلوات دائما شوكة في حلق المحتل وجماعاته المتطرفة أثار مشهدها فجر اليوم حقده وغيرته كالعادة مع بزوغ فجر المقدسيين خلال هذه اللحظات وبعد أن شاهد الجميع هذا الدخول العظيم والمهيب لمئات المقدسيين وهم يفتحون أبواب المسجد المبارك بالتكبير والتهليل وقد عادت لأرواحهم المتعلقة بأقصاها الحياة، بدأت جماعات المعبد المتطرفة تستعد بكل عدتها وعتادها لاقتحام الأقصى وتنفيذ ما تسميه "صلوات الشكر" تحت قيادة حاخاماتهم، ويحشدون لهذا الاقتحام ويستنصرون كل اتباعهم بتأمين كل المغريات لهذا الغرض.
وقد بدأ الاحتلال تحت شعار أسموه " حق الدخول المتساوي" حيث فتحت البوابات بعد ثلاث ساعات من الفجر أمام عشرات المتطرفين لاقتحام الأقصى، علما أن المتطرفين لم يمنعوا من صلواتهم خلال الشهرين السابقين كما منع أهالي القدس من صلواتهم.
ولم تتوقف رسائل المحتل عند شعار كاذب بل استبق إعادة الصلوات في الأٌقصى باعتقالات كثيرة أبرزها كان اعتقاله للشيخ عكرمة صبري والناشطة هنادي الحلواني ثم الافراج عنهما بعد قرار بالإبعاد.
القرار وفقا لمحللين كان فرضا لسياسة جديدة وكأن المحتل يريد أن يقرر من هو ذلك الذي سيعتلي منبر الأقصى لاستقبال المصلين، ومن هي تلك التي ستقف في باحات الأقصى جامعة نساءه حولها في صلاة بعد غياب، وكأنه يخاف من أشخاص بأعينهم ويرسل رسالة من خلالهم للمصلين بأن التزموا الصمت ونكسوا رؤوسكم ومارسوا صلواتكم حسب شروطنا وإلا منعناها.
وفي مشهد الصباح المرتبط بما قبله من اعتقالات يقول زياد بحيص الناشط المقدسي: بيَدِنا نحن أن نفشل تلك الرهانات، بأن نتصدى لفرض إرادة المحتل في الأقصى وأن نرفض شروطه، واهمٌ أشد الوهم من ينفي تلك الشروط، فهي حاضرة في كل سلوكٍ للمحتل؛ وما دام تهويد الأقصى وتقسيمه وتأسيس الهيكل في مكانه هدفاً مركزياً للكيان الصهيوني؛ فمحاولة تحقيقه لا يمكن أن تغيب في أي مفترق.
إذاً عشاق الأقصى في داخل المعركة الآن، معركة بقاء ما أن نعتقد أنها انتهت، إلا وتبدأ من جديد.