إصلاح ذات البين وأثره في تقريب النصر (2-2)

النائب د.سالم سلامة

في الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم في أناس معه ، فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم  وحانت الصلاة ، فجاء بلال إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فقال : يا أبا بكر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبس ، وحانت الصلاة ، فهل لك أن تؤم الناس ؟ قال : نعم إن شئت ، فأقام بلال الصلاة ، وتقدم أبو بكر فكبر وكبر الناس ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في الصفوف حتى قام في الصف ، فأخذ الناس في التصفيق ، وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يلتفت في صلاته ، فلما أكثر الناس التصفيق التفت ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع أبو بكر رضي الله عنه يده فحمد الله ، ورجع القهقرى وراءه ، حتى قام في الصف ، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى للناس ، فلما فرغ أقبل على النسا فقال : " يا أيها الناس ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق ؟! إنما التصفيق للنساء . من نابه شيء في صلاته فليقل : سبحان الله ، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول : سبحان الله ، إلا التفت . يا أبا بكر : ما منعك أن تصلي بالناس حين أشرت إليك ؟" فقال أبو بكر رضي الله عنه : ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بالناس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ."

أرأيتم إخواني المسلمين ، كيف ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء ، ولحق ببني عمرو بن عوف ليصلح بينهم ، من حين سمع بالخلاف بينهم ، قبل أن يضع السلاح حده في الخلاف ، وتتفاقم الأمور .

ثم أرأيتم كيف أخذ النبي صلى الله عليه وسلم معه بعضاً من المسلمين ، ليكونوا شهوداً وليمنعوا الخلاف من التفاقم ، وليكون من بينهم من يستحيي القوم منهم ، فيسمعوا لهم ، وليساعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أي شيء يطلبه ليسهل عليهم الإصلاح بين الناس . مع العلم أن بني عمرو بن عوف في خارج المدينة المنورة ، وتحتاج إلى سفر ، حيث إنهم أقرب إلى مسجد قباء ، حيث إنهم سكان المنطقة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على أن يصل مسجد قباء كل أسبوع ، فلا يخطئوه يوم سبت دون أن يكون بينهم ، وما ذاك إلا لأنهم هم أول من استقبلوه حين هجرته إلى المدينة المنورة ، ومنهم الشهداء في بدر وأحد .

وكلما كان المجتمع المسلم متماسكاً ، كلما كان قوياً لا يستطيع الشيطان وأعوانه أن ينخروا في عظامه ، وكلما كان من النصر أقرب . لذا كنا حريصين كل الحرص على الإصلاح بين أبناء شعبنا ، بعد أن نزغ الشيطان بينهم في الأحداث التي استحل فيها قوم دماء العلماء وأهل الدين ، والمدرسين والمقرئين والمعلمين لأبناء المسلمين الخير . بل استحلوا أعراض النساء المسلمات ، وكشفوا عن وجوههن ، بحجة البحث عن أصحاب اللحى ومن يشايعهم . وما زلنا ننادي بإصلاح ذات البين ، مهما كلف ذلك من نفقات ، لعل الله يصلح بين أمتنا العربية والإسلامية ، فنحن نعتبر أنفسنا رأس الحربة التي قذف الله بها في صدور الأعداء ، ولا بد من الحفاظ على سلامة المجتمع وقوته حتى نقترب من نصر الله الذي وعد عباده به .

وكفى رجال الإصلاح فخراً أن تكون لهم منابر من نور يوم القيامة ، يحسدهم عليها غيرهم . وكفاهم فخراً أن يكونوا سائرين على نهج الأنبياء والمرسلين في إصلاح أقوامهم . وكفاهم فخراً أنهم يرأبون الصدع الذي يحدثه الشيطان وأعوانه في جسم المجتمع المسلم . فيبقى الصف متيناً قوياً ، قريباً من النصر ، بعيداً عن الضعف والهزيمة .

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .