منذ أطاح رئيس السلطة محمود عباس بحليفه السياسي محمد دحلان عام 2011 الذي كان يقود دفة الملفات الخطرة والحساسة بالحركة في غزة، ومفوض الرئيس في إدارة الأمن والتنظيم فيها، دخلت فتح في مفترق طرق الأخطر في تاريخها، وصولا إلى مرحلة تنذر بانهيارها في غزة!
ركل الرئيس لدحلان، لم تكن نتائجه يسيرة.. فلم يبرح الأخير التنظيم إلى البيت أو شقّ طريقه لتأسيس تنظيم آخر، وأصرّ أن يواجه من داخله عبر تشكيل ما يسمى بـ"التيار الإصلاحي الديمقراطي"، وحشد خلفه المئات من كوادر التنظيم، الذين طالتهم قرارات الفصل والإقصاء.
تصلب دحلان وتشدده في التمسك بالتنظيم حتى الرمق الأخير، مستندًا على شعبيته في غزة، دفع بعباس إلى البحث عن الرجل الأقوى الذي يمكنه أن يخلفه ويواجه نفوذه، فوقع الاختيار على أبو ماهر حلس الذي غاب لسنوات عن المشهد التنظيمي والإعلامي، ثم عاد ليتصدره مجددًا في ضوء معرفة عباس بمواقف الرجل مع دحلان!
تيار دحلان وعلى لسان القيادي فيه عبد الحميد المصري، كان يرى أن اختيار حلس اساسًا، جاء للتصادم معه واجتثاثه، لا سيما في ضوء استغلال عباس لخصومة قديمة بينه وبين دحلان، بيد أن رياح الرجل لم تأت بما تشتهي سفن أبو مازن.
رفض حلس أن يصطدم مع التيار، كما فوّت فرصة أمام الرئيس وفريقه بحدوث فتنة يستغلها لإعلان غزة إقليما متمردًا، فألغى قرار حفل الانطلاقة مكتفيا بإخطار أمين سر المركزية جبريل الرجوب ورئيس التنظيم محمود عباس بقرار الإلغاء فقط دون الحصول على إذن منهم.
** فشل المهمة!
فشلت المهمة إذن، وفق تقديرات وتوصيف فريق عباس، في دفع حلس لتنظيمه بحرب طاحنة على صعيد الداخل التنظيمي أو الوطني بالقطاع، ما دفع أبو مازن للإطاحة به، والتوجه لتشكيل إدارة من مركزية الحركة لإدارة ساحة غزة، وهي الخطوة التي أماطت اللثام عن مرحلة طويلة من الانهيار والدمار داخل التنظيم!
منذ تكليف حلّس عام 2016، وضع الرجل أمام اختبار صعب، زادت تعقيداته إجراءات رئيس السلطة التي بدأت في مارس 2017، والتي كان أعقدها في التنكر لملف تعيينات 2005 وإحالة ملفهم لوزارة الشؤون الاجتماعية! مرورًا بالخصومات المالية عن الموظفين، ثم إجراءات التقاعد وغيرها!
لم يرفض حلس فكرة العقوبات! كما يقول المقربون منه، غير أنه يرفض الطريقة التي تتم فيها، "فهي بالأساس طالت عناصر فتح، "فجل من يعمل في السلطة هم من أبناء الحركة، والعقوبات مسّت لقمة عيشهم، في ضوء أن تقديرات الرجل تشير إلى أنها لن تؤثر عمليا على حركة حماس".
كما أن المعلومات الواردة من مقربيه، تفيد بأن حلس لم يبد أي اعتراض عملي في اجتماعات المركزية التي يصنف فيها بـ"الرجل الحاضر الغائب"، وامتنع خلال انعقاد المجلس الوطني عام 2018 عن التوقيع على عريضة تطالب عباس برفع إجراءاته العقابية، ملتزما بقرار مركزية الحركة مناقشة الموضوع داخل اجتماعات ما تسمى بـ"القيادة الفلسطينية".
ومع وصول حلس إلى سدة قيادة التنظيم في القطاع، بدأ بتشكيل هيئة قيادية على ضوء ما أفرزته نتائج انتخابات المؤتمر، بيد أن عديد القيادات الفتحاوية البارزة بدأت بالتواصل مع مركزية الحركة بذريعة الملفات التي يقودونها في السلطة، من بينهم محافظون تابعون للسلطة بغزة، إضافة لوكلاء ومدراء عامون وسفراء، وليس بآخرهم المتحدث باسم الحركة عاطف أبو سيف.
أبو سيف الذي يفضل التواصل مباشرة مع نائب رئيس الحركة محمود العالول والحصول على موازنة لمكتبه الإعلامي بمبلغ يصل لخمسة آلاف دولار شهريا، تذرع بمركزية مهمته كمتحدث باسم الحركة، وليس ناطقًا عنها في القطاع فحسب.
وتشير قيادات سابقة في التنظيم، إلى أن عديد الملفات المهمة صادرها عباس من حلس، من أهمها الملف العسكري وما يتعلق بإجراءاته التقاعدية تحديدًا، وأوكلها لإسماعيل جبر عضو مركزية الحركة، وهو من تعتبره قواعد الحركة خصمها وغريمها في إجراءات التقاعد التي استهدف جزءاً كبيرا منها!
مصادرة الملفات المركزية واستقطاب الشخصيات المهمة، أبرز السيوف التي سلطها عباس على حلس، قبل أن يبحث عن بدائل يعينها في مركزية الحركة، من بينهم احمد أبو هولي، وهو من اختاره عضوا مستقلّا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير"، وذلك طبقا لمصادر بفتح تحدثت للرسالة.
** فريق الرئيس
رغم شكوى قيادات التنظيم في القطاع، برفض عباس تخصيص موازنات كافية لهم، إلّا أن ذلك لم ينطبق عمليا على فريق الرئيس وتحديدا على عينة منهم تتمثل في مكاتب المحافظين الخمسة، الذين تم تعيينهم بقرار مباشر منه، ويتلقون موازنات ضخمة، وفق ما ورد في إحصاءات وبيانات وزارة المالية في رام الله.
وكشفت الموازنة المالية للسلطة الفلسطينية لعام 2018، عن مبالغ مالية مهولة تصرفها السلطة الفلسطينية على مكاتب محافظيها بغزة، رغم ان المواطن لا يشعر بشيء منها عمليا.
وطبقا لما نشرته وزارة المالية عبر موقعها عن الموازنة فإن مجموع ما صرفته مكاتب المحافظات الخمسة، يصل لـ12 مليون شيقل تقريبا.
وبحسب التقرير فإن مجمل ما رصد لمحافظة شمال غزة 2.1 مليون شيقل، وخانيونس 3 ملايين شيقل، ورفح مليوني شيقل، والوسطى 1.7 مليون شيقل، وغزة 3.2 مليون شيقل.
**من يقود فتح؟
من سيختار عباس لقيادة فتح خلفا لحلس؟ كان ذلك السؤال الأصعب ربما في البحث عن الشخصيات القوية الممكنة، التي يمكنها أن تواجه نفوذ دحلان من جهة، والنهوض بواقع تنظيم فتح وطنيًا من جهة أخرى، وتمثل ضمانًا لتماسك الحركة داخليا من جهة ثالثة! أجوبة مغلفة بكثير من التعقيدات عند النبش في أسماء قيادات الحركة!، لكنّ الإجابة أقرب إلى أنّ الاختيار يجري بين شخصيات ضعيفة للغاية الى حد لا تعترض على أي قرار يصدر اليها، فالمعيار إذن الطاعة والخوف وليس القوة والقرار!، والقول هنا لتيار دحلان!
من بين أعضاء مركزية الحركة يفضل عباس من يمكث في غزة وعمليا لا يوجد بديل عن حلس، فتجربة اختيار روحي فتوح كانت سابقة ولم تنجح، كما تقول قيادات الحركة، كما أن عباس بصدد تصحيح خطأ اختيار شخصية بعينها تمسك بزمام القرار بغزة كما فعل حلس من قبل، في قراره بإلغاء حفل الانطلاقة!
يقول عبد الحميد المصري القيادي بالتيار الاصلاحي إن فريق محمود عباس، يريد "تكليف رجل لا يعترض أو يقول لا لقيادة فتح في غزة، حتى ولو قالوا بدنا نطخ اولادك"! مضيفا:" في الأساس كلفت مركزية عباس، حلس لهدف معين وهو معاداة فتح وتحديدا التيار الإصلاحي، غير أن الأخير لم يتخذ موقفا واضحا من التيار فأصبح بالنسبة إليهم غير مرغوب فيه".
وتابع المصري لـ"الرسالة": "لا أعتقد أن هناك من سيلبي مطالب التكليف من قيادة تيار عباس؛ فلا أحد يقبل أن يرسل الناس للتهلكة، لا سيما وأن فتح غزة تحملت تبعات 13 عامًا، فيما كافأها عباس بقطع الرواتب والعقوبات".
وردًا على سؤال إن كانت فتح تندم على ترشيح عباس لـرئاسة السلطة، أجاب: "للأسف الظروف التي رشح بها كانت ملتبسة وأصدق وصف فيه ما أطلقه عليه الراحل عرفات بـ"كرزاي فلسطين".
وأضاف المصري: "منذ تولى عباس الحكم خليفة للراحل عرفات والمصائب تتوالى على شعبنا، وثبت بعد تجربتها المريرة معه انه كرزاي فلسطين فعلا".
لماذا يستقوي عباس على تنظيمه بغزة؟، سؤال يجيب عنه النائب عن تيار دحلان في المجلس التشريعي ديمتري دلياني، إذ يقول لـ"الرسالة": "أبو مازن بعد 2011 ليس كما قبله، فلو كان دحلان موجودًا لكان لديه من القوة أن يمنعه من فعل ذلك، اما اليوم فلا يوجد لديه سوى بعض المستشارين الموظفين".
**التنظيم عيّان!
في المقابل، تلقي قيادات فتحاوية سابقة في فتح بغزة، اللوم على أعضاء مركزية الحركة عن غزة ومسؤولها في القطاع، "فهم لم يعلوا صوتهم إزاء أزمات غزة، كما أنهم لا يعملون"، والقول هنا ليحيى رباح المسؤول السابق للهيئة القيادية بغزة!
وقال رباح لـ"الرسالة": "التنظيم في غزة عيّان أي –مريض- رغم أن يضم عشرات الآلاف، لكن متل المبخوخ عليهم حيّة"، وفق توصيفه!
وأوضح رباح أن الحديث هنا عن الأطر القيادية وليس القواعد، "فهناك العديد من الأخطار التي تعرضت لها غزة وتأثر بها أبناء التنظيم دون أن تعالجه تلك القيادة".
وأضاف: "كان يجب على مسؤولي التنظيم في غزة أن يكون صوتهم أعلى وأقوى".
وردًا على سؤال حول عدم دعم مركزية الحركة لقيادة غزة، أجاب: "هناك خمسة من ممثلي التنظيم في المركزية، وهذا يعني أن هناك حصة جيدة للقطاع لكن استغرب لماذا لا يعملون؟"
وعددّ رباح أعضاء مركزية فتح من القطاع "روحي فتوح وصبري صيدم والحاج إسماعيل واحمد حلس وناصر القدوة".
وختم بقوله: "وضع التنظيم بغزة يحتاج لنهضة ومساعدة(..)