​​لوبوان: ماذا يحاك خلف كواليس التحول التاريخي بالجزائر؟

صورة من الاحتجاجات
صورة من الاحتجاجات

الرسالة نت-وكالات

في الوقت الذي تعيش فيه الشوارع الجزائرية غليانا شعبيا، يتداعى نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على خلفية المشاورات السرية. وفيما يلي نشر الكاتب عدلان مدي بعض أسرار النظام المنهك بصحيفة لوبوان الفرنسية.

يقول الكاتب في تقريره إنه وفي خريف العام المنصرم، جمعت قاعة الاستقبال في مقر زرالدة الرئاسي أسماء بارزة عديدة من بينها كل من الوزير الأول أحمد أويحيى، ووزير العدل الطيب اللوح، ورئيس المؤسسة العسكرية أحمد قايد صلاح، ومستشار الرئيس الطيب بلعيز، ووزير الشؤون الخارجية عبد القادر مساهل، وسعيد بوتفليقة. وكانوا يتناقشون. ولكن حينها، لم يكن القرار قد اتّخذ بعد بشأن ما إذا كان عبد العزيز بوتفليقة سيترشح لولاية خامسة.

وقال إنه وبعد بضعة أسابيع، تحديدا في العاشر من فبراير/شباط الماضي، ترشح بوتفليقة لولاية خامسة في رسالة موجهة إلى الجزائريين، لكن لا أحد قادر على الجزم بهوية مؤلفي هذه الرسالة، إذ من الممكن أن يكون بعض المستشارين وشقيقا الرئيس قد قدموا له هذا النص، في حين كُشف عن بصمة أويحيى، الذي تمت استشارته في صياغة هذه الرسالة.

وكان النص واضحا، حيث جاء فيه "لم أعد أتمتع بالقوة الجسدية ذاتها، وهو الأمر الذي لم أخفه قط عن شعبنا. لكن الرغبة الثابتة في خدمة الوطن لم تغادرني أبدا".

اليوم التالي أهم
ويمضي الكاتب قائلا إن العصبة الحاكمة على قناعة بأن اليوم التالي للانتخابات وما سيحدث فيه أهم من يوم الانتخابات نفسه، لذلك كان يدور في زرالدة حديث عن عقد "مؤتمر وطني" بعد الانتخابات الرئاسية. ويتعلق الأمر "بإعادة صناعة" المؤتمر الوطني ليناير/كانون الثاني 1994 الذي كان ينبغي عليه الجمع بين الحكومة والمعارضة لإنهاء المرحلة الانتقالية الناجمة عن إلغاء انتخابات 1992 التشريعية وتعيين اليمين زروال رئيسا للبلاد.

وفي 16 فبراير/شباط الماضي أوضح المدير السابق للحملة الانتخابية للمرشح بوتفليقة ورئيس الوزراء السابق عبد المالك سلال أنه "سيكون مؤتمرا توافقيا وطنيا يشارك فيه الجميع. وسنتوصل إلى إستراتيجية جديدة لاستكمال بناء الجزائر". 

وتصر أطراف من قصر زرالدة الرئاسي على أن المعارضة ستكون مدعوة، ولكنْ هناك فرص ضئيلة لحضور الأحزاب المنشقة عن خط بوتفليقة في هذا المؤتمر الذي قد يُعقد، وفقا لمصادر عدة، في شهر يونيو/حزيران المقبل.

لكن وفي 22 فبراير/شباط الماضي، آلت خطط زرالدة إلى فشل ذريع، حيث خرج عشرات الآلاف من الجزائريين إلى الشوارع للاحتجاج ضد الولاية الخامسة. وبالتالي، قلب الشعب الموازين. ويفسر ضابط مخابرات ذلك قائلا "لقد تلقينا إشارات حول أهمية التعبئة منذ الدعوات الأولى المجهولة الهوية على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد أُعلم القصر الرئاسي بذلك. لقد كان هناك ذعر لا يمكن إنكاره".

وأشار الكاتب إلى أن ذلك الذعر تمثل في إعلان رئاسة الجمهورية في اليوم السابق للمسيرات، أي في 21 من الشهر الجاري، عن انتقال بوتفليقة يوم 24 إلى جنيف من أجل "إقامة قصيرة بهدف إجراء فحوص طبية دورية".

عزلة بوتفليقة المحكمة
ونسب إلى كاتب العمود عباد شريف قوله إن ضابطا سابقا في جيش التحرير الوطني يعرف بوتفليقة عن كثب أخبره أن الطريقة الوحيدة لدفعه للتنازل عن الكرسي الرئاسي ستكون عبر عرض شريط فيديو عليه تُداس فيه صورته، مشيرا إلى أنه "يتمتع بكبرياء عال، لدرجة أنه قد يستقل أول طائرة ويغادر البلاد!". فهل شاهد بوتفليقة هذه الصور؟ في الواقع، يشك كثيرون في ذلك، خاصة وأن عزلته في قصر زرالدة مُحكمة عليه.

وأشار الكاتب إلى أن التوتر داخل المعسكر الرئاسي لا يزال قائما. وفي هذا الصدد، قال ضابط مخابرات لم يكن الجهاز الأمني راضيا عن التطورات التي يشهدها الوضع الراهن. وقد حثّ الجهاز السياسيين على محاولة العثور على حل من أجل تهدئة الأمور من جهة، وإقصاء الشخصيات التي لا تحظى بشعبية على غرار أحمد أويحيى من جهة أخرى، لا سيما وأن أويحيى يعد من أبرز أسباب شعور المتظاهرين بالغضب.

لرؤوس التي ستسقط
وجاء في مكالمة هاتفية دارت بين عبد المالك سلال مدير الحملة الانتخابية لبوتفليقة ورئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد، الذي يمثل مصدرا ثابتا للدعم بالنسبة لرئيس الجمهورية، يوم 27 فبراير/شباط الماضي أن "هذه هي الرؤوس الأخرى التي ستسقط". وقد سُرّبت هذه المحادثة عن قصد وجرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأشار الكاتب إلى أن حداد، رجل الأعمال النافذ الذي نجح في التقرّب من المحيط الرئاسي، قد شنّ هجوما مضادا، مشيرا إلى "أنهم" يخافون من توسّع رقعة المظاهرات في جميع أرجاء البلاد. ويعتقد بعض المعلقين أن حداد كان يشير إلى الأجهزة الأمنية في حديثه، وفي المقابل يزعم آخرون أنه كان يتحدث عن أطراف مقربة من بوتفليقة.

وقد عمل سلال على طمأنة رجل الأعمال، متطرقا إلى احتمال تدخل رجال الدرك من أجل التصدي للمتظاهرين. وواصل حداد حديثه عن أنه "ينبغي أن نصمد لغاية الثالث من مارس/آذار. إن هذه هي مهمتنا". تجدر الإشارة إلى أن هذا التاريخ يمثل الموعد النهائي لتقديم ملفات الترشح للانتخابات الرئاسية.

مزاح أسود
وفي الأول من الشهر الجاري، حطمت الاحتجاجات ضد الولاية الخامسة لبوتفليقة أرقاما قياسية. ووفقا لمصادر أمنية، قُدّر عدد المتظاهرين في الجزائر العاصمة وحدها بحوالي 800 ألف متظاهر، وهو ما لم يحدث منذ ما يقرب من 20 سنة. وقال سلال، المعروف بنكاته المريبة في بعض الأحيان، إنه نصح عمارة بن يونس الوزير السابق ورئيس حزب الحركة الشعبية الجزائرية وأحد أنصار بوتفليقة، "بالنقاش والمزاح" مع المعارضين لترشح رئيس الدولة إذا تدخلوا لمحاولة الوقوف في طريقه.

وأورد الكاتب أن علي حداد شهد بعض الانتكاسات أيضا، حيث نأى ثلاثة أعضاء مؤثرين في منتدى رؤساء المؤسسات بأنفسهم عن هذه النقابة. وقد قام رئيس مجلس إدارة شركة أليانس للتأمينات حسن خليفاتي بتجميد عضويته، كما نسج محمد العيد بن عمر رئيس إحدى أهم الشركات المتخصصة في الصناعات الغذائية في البلاد على منوال خليفاتي، واستقال من منصبه نائب رئيس لمنظمة رؤساء المؤسسات.

وفي سياق متصل، أعرب الرئيس المدير العام لمجموعة سوجميتال، الذي يعرف بقربه من رئيس الوزراء محمد أرزقي أبركان عن تمرده من خلال رسالة مفادها "على خلفية التعليقات المهينة التي وردت في حق سكان ولاية تيزي وزو، التي صرح بها رئيس المنتدى، يعتبر من غير الأخلاقي بالنسبة لي التظاهر بالصمت".

إذلال يثقل الكاهل
وأوضح الكاتب أن المرحلة القادمة تتمثل في التفاوض على رحيل بوتفليقة، بعبارة أخرى "كيف يمكن طمأنة الشارع دون الإخلال بالتوازن داخل النظام؟"، وكثيرا ما تم تداول هذا السؤال في صفوف صناع القرار في الأيام الأخيرة، الذي تتجسد إجابته في الإعلان المنسوب إلى بوتفليقة عند تقديم ملف ترشحه للانتخابات الأحد الماضي من قبل المدير الجديد لحملته.

ومن المؤكد أن الاقتراحات المتعلقة بولاية "انتقالية" لمدة سنة واحدة، و"مؤتمر وطني" وانتخابات رئاسية مبكرة، لن تكون كافية لتهدئة غضب الشارع أو لعلاج الشعور بالإذلال الذي يثقل كاهل المجتمع الجزائري بأكمله. ويلخص أحد المصادر في قصر زرالدة الوضع قائلا "هذه التسوية القصوى التي توصل إليها المحيط الرئاسي والجيش ومختلف أقسام الدولة"، في حين قال طرف مقرب من السرايا "لا تحدثني عن الانتخابات. سوف ننظم الجنازات"!

على هذا النحو، يمكن لبوتفليقة أن يغادر السلطة مثلما استلمها من خلال انتخابات رئاسية مبكرة. ففي سنة 1998، كان الرئيس السابق زروال، في خلاف مع "الأجهزة الأمنية" حول كيفية إدارة العفو العام الخاص بـ"الإرهابيين"، مما دفعه إلى تقليص مدة ولايته. وبعد مرور 20 سنة، "قد يتركنا" الشخص الذي كان من المفترض أن يضع حدا للفترة الانتقالية الناجمة عن الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، في مرحلة انتقالية أخرى.

المصدر : الصحافة الفرنسية