شهدت مدينة نابلس فجر الثلاثاء حدثا يكاد أن يكون نادراً في السنوات الأخيرة التي وصلت فيها العلاقة الأمنية بين السلطة والاحتلال مستويات غير مسبوقة، حيث أسفر اشتباك مسلح وقع في مدينة نابلس بين جنود من جيش الاحتلال الإسرائيلي وقوات من الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية عن إصابة إثنين من عناصر الأمن الفلسطيني، وأتى الاشتباك عقب محاصرة قوات الاحتلال لمقر الأمن الوقائي في منطقة الطور جنوب المدينة.
ويستدل من المعلومات أن سيارة (إسرائيلية) استقلها عناصر من وحدة المستعربين، اقتحمت الأحياء السكنية في نابلس، حيث حاولت قوات الأمن الوقائي توقيف السيارة التي أطلقت منها النيران صوب الأمن الفلسطيني الذي رد بالمثل، فيما تدخلت قوات من جيش الاحتلال لتأمين خروج وتخليص قوة المستعربين.
ووفقا لما تناقلته وسائل إعلام فلسطينية، فإن الاشتباك المسلح وقع عقب اشتباه أفراد الأمن الوقائي بتوقف سيارة (إسرائيلية) استقلها عناصر من وحدة المستعربين، فيما ذكرت وسائل إعلام (إسرائيلية) أن القوة الخاصة كانت خلال نشاط لاعتقال نشطاء من حركة حماس.
ونقلت وسائل الإعلام العبرية عن المتحدث باسم جيش الاحتلال قوله إن القوة الإسرائيلية أطلقت النيران عن طريق الخطأ على قوات الأمن الفلسطينية، وذلك بعد أن شخصت بأنها عناصر مسلحة مشبوهة، لافتة إلى أنه سيتم التحقيق في ملابسات الحادث.
الحادث يفتح الباب مجدداً حول خطورة دور الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية والتي تنسق أمنياً بشكل كامل مع الاحتلال ضد الفلسطينيين الأمر الذي يقر الاحتلال بأهميته في حماية آمنة وسهولة حصوله على كل المعلومات التي تمكنه من اعتقال وملاحقة المطلوبين الفلسطينيين هناك، حيث أصبحت الضفة مستباحة بالكامل أمام الاحتلال.
في المقابل تطرح الحادثة سؤالا مهما عن إمكانية أن توقف السلطة التنسيق الأمني تنفيذاً لقرارات المجلسين المركزي والوطني في الدورات الأخيرة، الأمر الذي من شأنه أن يقلب الطاولة على الاحتلال، ويغير المعادلة القائمة هناك.
وبحسب المحلل العسكري أمير بوخبوط فإن الحادث الذي وقع بمدينة نابلس يوضح كم هو التنسيق الأمني بين الاحتلال وقوات الأمن الفلسطينية حساس وضروري وما قد يحدث في حالة تضرره، وهذه مصلحة أمنية مشتركة للطرفين.
من ناحية أخرى اعتبر عضو الكنيست شيلي ياحيموفيتش إن المواجهة بين الجيش الإسرائيلي ومقر الأمن الوقائي في نابلس حالة استثنائية خطيرة ومقلقة ولا تبشر بالخير، قائلاً "على الرغم من الخلاف مع السلطة في الوقت الحالي، يجب أن نتذكر أن تعاونها الأمني مع (إسرائيل) وثيق وممتاز وينقذ حياة الإسرائيليين كل يوم، من الأفضل لوزير الدفاع -نتنياهو- الذي ينشغل الآن بمشاكله الجنائية، أن يسارع لحل الأزمة قبل أن تتدهور إلى تصعيد صعب".
ويظهر من ردة فعل الاحتلال خطورة الحادث وخشية الاحتلال من تكراره ما دفعه للإعلان عن فتح تحقيق بالحادث لمعرفة كيف جرت الأمور، بحيث تحدثت المصادر الفلسطينية أن الإشكالية كانت من جانب الاحتلال.
وقال محافظ نابلس اللواء إبراهيم رمضان أن (إسرائيل) تصرفت بما يتعارض مع الإجراء ولم تقم بإبلاغنا قبل دخول نابلس، انسحبت القوات وظروف الحادث لا تزال غير واضحة".
وقد حذرت جهات استخبارية إسرائيلية، مؤخرا، عدة مرات إنها تعتقد أن التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية قد يتضرر خلال الشهور القادمة بسبب الوضع الاقتصادي المتدهور للسلطة.
وكانت هذه الجهات الاستخبارية قد حذرت، مؤخرا، المستوى السياسي من التصعيد في الضفة الغربية ومن تزعزع مكانة السلطة الفلسطينية بسبب الأزمة الاقتصادية التي تواجهها وخطة السلام الأميركية (صفقة القرن) وإنجازات حركة حماس في صراعها مع (إسرائيل).
وتشير تقديرات الأجهزة الأمنية (الإسرائيلية)، بحسب صحيفة "هآرتس" أن السلطة الفلسطينية ستجد صعوبة في حكم المناطق التي تقع تحت مسؤوليتها، ولذلك فمن الممكن أن تندلع مواجهات بين سكان الضفة الغربية وبين قوات الأمن الإسرائيلية، و"بشدة غير معروفة".
وتشير تقديرات الأجهزة الأمنية (الإسرائيلية) أيضا إلى أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، محبط بسبب "عدم مكافأته على التعاون الأمني، في حين أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي اللتين تحاربان (إسرائيل) تحققان إنجازات جدية لاقتصاد قطاع غزة".
ونقل عن مصدر أمني مطلع على التفاصيل قوله إن "عباس يجد صعوبة في شرح ذلك لسكان الضفة الغربية، الذين يرون المساعدات التي تدخل قطاع غزة بعد أيام القتال".
وجاء في التقرير أن عرض "صفقة القرن"، المتوقع في الشهور القريبة، قد يؤدي إلى تصعيد في الضفة الغربية. وبحسب التقديرات الإسرائيلية فإن عباس على استعداد لإجراء مفاوضات، ولكن بالنسبة له فإن الاتفاق لا يمكن أن يتركز في السلام الاقتصادي، وإنما يجب أن يشمل القضايا الجوهرية التي تحظى بدعم الشعب الفلسطيني، وبضمنها التواجد الإسرائيلي في الضفة الغربية.