مطرقة فريدمان تختصر المسافات

الصحفي محمد بلّور
الصحفي محمد بلّور

كتب الصحفي محمد بلّور

هذا النقر في جدران المدينة المقدسة يتعالى بصخب!, لم يعد أحد يكترث لأضواء الخطر حول ما يجري أسفل القدس والمسجد الأقصى, العدوان على المقدسات الإسلامية لا يحبو وئيداً إنه يمضي مسابقاً الزمن بدعم أمريكي.

ترى ما الذي دفع (ديفيد فريدمان) سفير الولايات المتحدة الأمريكية في (إسرائيل) ليحمل مطرقةً ثقيلة مساهماً في شقّ ما أسماه الاحتلال (طريق الحجاج) في مشروع إقامة الهيكل المزعوم من أسفل حي سلوان؟, هل هي جسارة الدعم؟ أم كسب الرضا؟.

منذ ست سنوات تمضي جمعية (إلعاد) اليهودية في تحويل أرضية المدينة المقدسة إلى قطعة جبنة سويسرية مليئة بالثقوب وممرات الأنفاق لكن مطرقة (فريدمان) تختصر لها المسافات هذه المرّة في عهد إدارة (ترامب) الرئيس الأمريكي.

من قال إن نجوم إدارة (ترامب) من التيار المسيحي الصهيوني الأحد عشر يجهلون التفاصيل, إنهم باختصار يمضون انطلاقاً من معتقد ديني يتقاطع بالكلية مع العقيدة اليهودية فيما يعني تهويد القدس المحتلة وشطب التاريخ والتراث الكنعاني والإسلامي, تغريهم حالة الضعف السياسي لأنظمة تخشى فقدان عروشها وانقسام فلسطيني عدّل مزاجها لاستكمال المخطط.

صحيح إن عرّابي إدارة (ترامب) يتقدمهم (ديفيد فريدمان) سفيره في (إسرائيل) و (كوشنير) صهره و مستشاره إلى جوار (غرينبلات) مبعوثه الخّاص للصراع الإسرائيلي والفلسطيني هم نجوم العرض المستمر لكن ثمّة بعداً عقائدياً وبرنامجاً سياسياً سافراً أعد على مُكث ويمضي بسرعة البرق.

ويجسّد أقطاب إدارة (ترامب) الصهيونية المسيحية وهم من الكنيسة البروتستانتية الداعمة بتطرف استمرار كيان الاحتلال كضرورة حتمية لتحقق نبؤات الكتاب المقدس وقدوم المسيح لذا تراهم يظهرون تطرّفاً يتعدّى أحيانا بعض اليهود أنفسهم.

مطرقة (فريدمان) التي تجاوزت العرف والقانون الدبلوماسي من شخص برتبة سفير بررها خلال مشهد احتفالي حضره (غريبنلات و ساره نتنياهو، ورئيس بلدية القدس السابق نير بركات والملياردير الأمريكي شيلدون أديلسون) حين قال: "تسألونني لماذا أنا هنا؟- والإجابة هي هامّة، هذا الأسبوع، الذي نحتفل بذكرى إعلان استقلال الولايات المتحدة, حقوقنا لم يعطنا إياها الجمهوريون أو الديمقراطيّون، إنما الربّ, وكيف عرف آباؤنا ما هي الحقوق؟ الإجابة أنهم قرؤوا ذلك في التناخ -الكتاب المقدّس اليهودي-. ومن أين جاء التناخ و التوراة؟ من هذا المكان".

 

 سياسياً بدأت إدارة (ترامب) عملها من درجة السلّم الأخيرة, فالرجل ومعاونيه علاوةً على خلفيتهم الدينية يتحركون بجرأة سافرة أشهرت صندوق جوائز كبير للاحتلال بدءً من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة وتشريع احتلال الجولان وابتزاز الدول العربية مالياً وترويج صفقة القرن التي تسقط البعد السياسي والتاريخي بالكلية من قضية فلسطين.

عربياً معظم القادة يساقون إلى مصيرهم بدفع الإتاوة, تارةً بدعوى فزّاعة إيران وتارةً أخرى لتوفير الحماية وثالثاً بحجة برنامج الديمقراطية والانفتاح الأمريكي الذي يسعى لكسب مزيد من المال والاستثمارات كما هي سياسة أمريكا منذ عشرات السنوات في المنطقة العربية.

إسرائيلياً يمارس (نتنياهو) رئيس وزراء الاحتلال مهمة الفاتح الدائم لجدران وأبواب السياسة في الدول العربية والإفريقية وقد ذهب شرقاً عدة جولات مشرعاً أبواباً كانت موصدة لسنوات طويلة وهو نجاح منحه مزيداً من الوقت للصمود أمام تناقضات ومزايدات السياسيين الإسرائيليين في السنوات الأخيرة.

الدعم الأمريكي للاحتلال في صفقة العصر ومؤتمر المنامة تجاوز السلطة الفلسطينية بوثبة رياضية ولعل حضور مصر والأردن لمؤتمر المنامة منح المؤتمر حقنة تشجيع في مشهد غاب فيه الطرف الرئيس المعني بالقضية وهم الفلسطينيين.

جزء مهم من الأنظمة العربية حولنا لا أرى أنها تتحرك من بعداً دينياً موازياً ولا واقعية سياسية وازنة إنها فقد تستجيب فقط من الجوقة الأمريكية-الإسرائيلية وهي حالة انتكاسة غير مسبوقة يجب أن تدفع الفلسطينيين أنفسهم للتفكير ملياً في قادم الأيام.

مطرقة (فريدمان) حطمت عملية التسوية في عهد (ترامب) الذي يدعوا الإقليم من حوله بركوب قطاره السياسي المنطلق من محطات حدد هو نقطة بدايتها ونهايتها متجاهلاً رغبة كافة الركاب.

وعلى خطورة ما يجري فإن موقف الولايات المتحدة الأمريكية و(إسرائيل) بات واضحاً وصريحاً وموقف كثير من الدول العربية بالمثل, يبقى الأمل الوحيد في موقف فلسطيني وحيد يتحرك الآن بمسئولية تاريخية متجاوزاً كافة المعيقات وأهمها الانقسام لفعل شيء ولو متأخراً بدل من الصمت الآثم الذي لن يمنح الاحتلال سوى مزيد من الوقت لقضم ما تبقى من الأمل في بناء مستقبل واستعادة حقوق وطنية.