ملفات سرية وتقارير مزورة.. هكذا تعاملت السلطة مع ضحايا تعذيبها!

أجهزة أمن السلطة
أجهزة أمن السلطة

الرسالة – محمود هنية   

لا تقتصر جهود السلطة على دفن الضحية المبلغ عن وفاته في سجونها، بل يجب أن يعقبها دفن تقرير الطب الشرعي الخاص بالمتوفى، لغسل يد أجهزة أمنها ودفن آثار الجريمة، هكذا تنتهي القضية وبكل بساطة كما جرى مع عدد من ضحايا تعذيبها في الآونة الأخيرة.

تغيير أسماء أو اللجوء لدفن القضية تماما عبر إخفاء تقرير الطب الشرعي، هو السلوك الدارج لأمن السلطة، تبعا لروايات تقصت تفاصيلها "الرسالة" لضحايا توفوا نتيجة التعذيب داخل سجون السلطة.

جرائم مرتكبة

عائلة الزعبور: حتى اللحظة السلطة ترفض تسليمنا تقرير نجلنا

القائد في كتائب شهداء الأقصى في نابلس أحمد الزعبور، كان أحد ضحايا تزوير التقارير الشرعية حيث أبلغت السلطة عائلته بوفاته مدعية أن سبب الوفاة الإصابة بجلطة!

وتقول شقيقة الزعبور أم مجاهد لـ"الرسالة نت": "خبرتنا السلطة أن أحمد توفي نتيجة الجلطة، ولهذه اللحظة لم نتسلم ملف تقريره الطبي رغم وفاته منذ عام تقريبا، "والجميع يقول لنا أن الملف سري".

وأضافت: "أي شخص يقتل تحت التعذيب أو يريدون تصفيته كما جرى مع أخي، من السهل عليهم أن يفعلوا به ما شاءوا ثم يدعون أنه توفي نتيجة جلطة!"

وعقبت بالقول متهكمة: "بس الجلطات لمن يدخل سجون السلطة!"، مؤكدة أن السلطة ترفض التعامل مع أي مطالبات بشأن الإفصاح عن الأسباب الحقيقية لوفاة أحمد.

ويشار إلى أن الزعبور توفي في شهر أغسطس من العام الماضي، داخل سجون السلطة.

 

عائلة حلاوة: قتلت السلطة والدنا ثم أعلنته ببساطة "قتلا بالخطأ"

وأثناء التقصي حول الشخصيات التي توفيت داخل السجون، كان القيادي في كتائب الأقصى أبو العز حلاوة الذي تقول عائلته إنه أعدم بدم بارد عمدًا وعن سبق الإصرار والترصد، في سجن الجنيد بنابلس.

وتضيف عائلته أيضا أنه قتل بعد ساعات قليلة من اعتقاله، رغم أنه كان على اتصال مع جهات بالسلطة لتسليم نفسه، كما أعدم اثنان من مرافقيه ميدانيا بمجرد وصول الأجهزة الأمنية للمكان.

تقول زوجته أم العز، إن السلطة بررت قتل زوجها بـ"الخطأ"، مشيرة إلى أن العائلة اضطرت للمصالحة بغية الوصول لإطلاق سراح عدد من الشباب المتهمين بجرائم القتل.

 

ابنة البرغوثي: السلطة زورت التقرير الطبي لحالة وفاة والدي

لم تكن عائلة البرغوثي وحدها التي اكتوت بنيران تعذيب أبنائها وفقدانهم في سجون السلطة، بل إن تلك السياسة قديمة تنتهجها السلطة منذ سنوات. ففي العام 2008، استيقظت رام الله على جريمة بشعة تمثلت في قتل أحد ائمتها نتيجة التعذيب الشديد في سجون السلطة، وهو الشهيد "مجد البرغوثي" الذي خرج وعلامات التعذيب تشوه ملامح جسده.

تعود ابنته إيمان لسنوات خلت، تستحضر اللحظات التي برر فيها أمن السلطة جريمة قتل والدها، حيث ادعت السلطة أن سبب الوفاة ناتجة عن كونه "مدخنا شرها"، بيد أن آثار التعذيب على جسده فضحت روايتهم، كما أنهم تغافلوا أنه إمام مسجد، تبعا لحديث ابنته.

عن تلك اللحظات، تقول إيمان لـ"الرسالة نت": "عذبوه بوحشية شديدة، ثم كان لديهم من الوقاحة ليبرروا جريمتهم بأنه توفي نتيجة التدخين!"

وأشارت إلى أنهم تلاعبوا في تقرير الطب الشرعي، فجرى تدوين التقرير على اسم "ايمن"، وادعى أن سبب الوفاة" اعتلال في عضلة القلب بسبب التدخين".

وتضيف: "قتلوه وشرحوا جثته وخرجوا بتقريرهم وروايتهم، ثم بعد ذلك سلمونا جثته، وساومونا على عملية دفنه".

وتلفت إيمان إلى أن بعض المؤسسات الحقوقية ذهبت لتبرر للسلطة جرمها بأن ما حدث مع مجد هو رد على أحداث 2007، في خطوة تبريرية لا تتسم مع الأخلاقيات والإنسانية المفترضة لهذه المراكز.

  مزاجية وانعدام ثقة

مبادرة مناهضة التعذيب في سجون السلطة، أكدت أن ما سلف من شواهد في تزوير التقارير الطبية، هي نماذج بسيطة لما يجري هناك، إذ أن السلطة أساسا لم تعد محل ثقة لدى من يتوفى أبناؤهم في سجونها، فيضطرون لإعادة التشريح في مستشفيات ومراكز أخرى.

وتبعا لسهى جبارة مسؤولة المبادرة، فإنّ الأجهزة الأمنية تتعامل مع التقارير تبعا لمزاجها، وتضع ما تريده دون حسيب أو رقيب.

وتشير جبارة إلى أن بعض العائلات تخاف المطالبة بتشريح جثامين أبنائها خارج مراكز السلطة".

وعرضت جبارة مثلا حول رفعها قضية دولية على السلطة الفلسطينية نتيجة تعرضها للتعذيب في سجونها خلال فترة اعتقالها قبل أشهر، وهي لا تزال في طور المحاكمة، مشيرة إلى أن التحرك في سياق الضغط الشعبي والقانوني يمكن أن يضع حدا لهذه الاحداث.

رهان على الوقت

 

لجنة الحريات: الأجهزة الأمنية ترفض تسليم بعض التقارير لكسب الوقت

نائب رئيس لجنة الحريات في الضفة خليل عساف، أكد بدوره عدم قانونية التحفظ على تسليم التقارير الشرعية لأصحاب العلاقة من عوائل الضحايا، مرجعا عدم التسليم لـ"ما تتضمنه بعض التقارير من معلومات قد تشكل حرجا لهذه الأجهزة".

وقال عساف في تصريح خاص بـ"الرسالة نت" إن "عملية التشريح أصبحت تضم ممثلين عن النيابة والعائلة والهيئة المستقلة"، مع الإشارة إلى أن العوائل التي اجرت "الرسالة" معها لقاءات، اكدت عدم حضورها التشريح، إلّا أن عساف يشير إلى صعوبة تزوير التقارير من طرف الأطباء لأن ذلك قد يطيح بمستقبلهم المهني لو جرى اثبات عكسها، وعليه فقد تضطر الأجهزة لعدم تسليمه، للرهان على كسب الوقت وامتصاص رد الفعل من طرف عائلة الضحية.

وأشار عساف إلى وجود جرائم قتل لم تكن بحاجة لتقرير منها مثلا حادثتا البرغوثي وحلاوة، "فالصورة وحدها كافية لتكشف عن جريمة القتل التي جرت نتيجة التعذيب".

وأوضح عساف أنه إذا لم يكن هناك نتيجة مباشرة للوفاة، فإنه يكون شبه جريمة؛ لكن في قضية حلاوة "فقد قتل بطريقة وحشية في التعذيب!، لا سيما وأنه كان في زنازين الامن".

وبمقتضى قانون رقم (7) لسنة 2011م بشأن الطب الشرعي، فإن الفقرة الثانية من المادة التاسعة تلزم الطبيب بتشريح الجثث والأشلاء لبيان سبب الوفاة وتاريخها والتعرف عليها وأخذ العينات اللازمة، وتلزم المادة (11) المختبر بـتقديم تقرير بكل مهمة يقوم بها.

وتعطي الفقرة الثانية من المادة (12) من القانون حق الاعتراض لذوي العلاقة على التقرير الطبي الشرعي أو التقرير المخبري الشرعي أو كليهما أمام المحكمة المختصة وحسب الإجراءات القانونية، كما تحمَل الفقرة (4) من المادة (13) النيابة العامة المسؤولية عن تأخير أو تأجيل الدفن لمصلحة العدالة.

وتجرم المواد (المادة 13 و 16 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل للعام 2003)، عملية التعذيب، وتعدّه انتهاكًا يحاسب عليه مرتكبه.

كما وتنص المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على منع التعذيب وغير ذلك من ضروب سوء المعاملة. كما حظرت المادة 7 من نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية التعذيب واعتبرته جريمة ضد الإنسانية.

  انتهاك خطير

 

الهيئة المستقلة: حظر تسليم التقارير الطبية انتهاك خطير للقانون

وتبعا لتقريري الهيئة المستقلة لحقوق الانسان لعامي 2017، و2018، الذي اطلع عليهما معدّ التحقيق، ففقد رصد وفاة 30 حالة خلال عامي (2017 – 2018) على النحو التالي، 4 من النزلاء في مراكز أمن الضفة خلال العامين، و21 حالة وفاة لمن هم قيد التحقيق لدى النيابة عام 2018، و5 أشخاص قتلوا نتيجة استعمال السلاح من المكلفين بإنفاذ القانون خلال ذات العامين.

مسؤول مكتب الهيئة المستقلة جنوب الضفة فريد الأطرش، اكتفى بتأكيده لـ"الرسالة نت"، أنّ عملية التشريح يجب أن تتم تبعا للأصول، مع حق ذوي الضحية الاعتراض، مشيرا إلى أن حظر أو منع تسليم التقرير الطبي لعائلة الضحية يشكل انتهاكًا خطيرا للقانون.

 

خبير بالقانون الدولي: يمكن رفع شكاوي للمندوب السامي حول هذه الانتهاكات

أما المرشح الرئاسي السابق والخبير في القانون الدولي الحقوقي عبد الكريم شبير، فأكدّ أن منع تسليم صورة عن تقرير عملية التشريح جريمة قانونية، مشيرا إلى أن المحكمة الإدارية او العدل العليا يمكن تقديم طلبات عبرها لتلزم وزارة الصحة او النائب العام بإعطاء صورة عن التقرير.

وقال شبير لـ"الرسالة نت": "إن السبب الحقيقي لإخفاء التقرير يكون تعرض الضحية لتعذيب أو سبب يدين الأجهزة الأمنية، والا فلو توفي نتيجة ظروف طبيعية فإنها يمكن ان تواجه العائلة".

وأكدّ أن عوائل الضحايا يمكن أن يقدموا شكاوى للهيئة المستقلة وللمندوب السامي لمجلس حقوق الانسان في الأراضي الفلسطينية، منبها إلى أنه في حال ثبت مسؤولية الأجهزة عن وفاة أبنائها نتيجة التعذيب، فإن ذلك يسجل كجريمة جنائية ويترتب عليها مسؤولية جزائية ومدنية ويمكن لعوائلهم أن يطالبوا بالتعويض من السلطة.

جدير بالذكر أنّ فلسطين انضمت في الأول من أبريل لعام 2014 لـ(15) منظمة ومعاهدة واتفاقية دولية من ضمنها اتفاقية مناهضة التعذيب!