في غياب الانتخابات.. النقابات تشق طريقها نحو العصيان المدني بالضفة

ارشيفية
ارشيفية

الرسالة نت- محمود فودة

لم تبق نقابة أو شريحة متضررة من غياب الانتخابات في الضفة الغربية المحتلة، إلا وأبدت غضبها بالإضرابات المتكررة، التي أزعجت السلطة ولا زالت تضغط في سبيل إنهاء حالة التفرد بالقرار واغتصاب الحياة الديمقراطية، وحجب الانتخابات عن المواطنين.

وعلى مدار العامين الماضيين، تصاعدت حدة الإضرابات في الضفة بشكل لم تعهده الساحة الفلسطينية من قبل، لتشمل نقابات المحامين والمعلمين والمهندسين، والأطباء والتمريض والنقل العام واتحاد نقابات أساتذة وموظفي الجامعات.

ولعل من أبرز الأسباب التي دفعت النقابيين والشرائح المختلفة إلى الدخول في الإضرابات، الشعور المتنامي لديهم بعدم إتاحة السلطة مجالا لحرية الرأي والتعبير، والمطالبة بالحقوق، وعدم السعي للدخول في مسار ديمقراطي، يعطي الفرصة للجميع بالمشاركة في تحديد قيادة السلطة وأركانها؛ لإنهاء حالة التفرد القائمة في السلطات الثلاثة.

ويبرز من بين الإضرابات التي لا تزال قائمة ومؤثرة في السلطة، إضراب نقابة المحامين، الذين يقوم أساسه على رفض ممارسات محمود عباس رئيس السلطة، الذي ما فتأ يصدر القرارات بقانون، والتي كان جزءً منها يضرب في أساسات السلطة القضائية، ويعمل على تملكها كالسلطة التشريعية والتنفيذية.

ومنذ أن ألغى محمود عباس الانتخابات في ابريل 2021، وحالة اليأس امتدت من الفصائل المؤمنة بعدم رغبة أبو مازن بالانتخابات، لتصل إلى كافة شرائح المجتمع، بما فيها النقابات التي كانت محسوبة على حركة فتح.

وشاعت حالة اليأس التي بلغت ذروتها مؤخرًا، في ظل الإجراءات التعسفية وسلب حرية الرأي التي تشهده الضفة، بالتزامن مع تراجع الوضع الاقتصادي، وموجة الغلاء التي طالت كل مناحي الحياة، والسوابق التي لا تنتهي للسلطة في الاعتداء على الحريات، وإتاحة المجال لفوضى السلاح، وارتكاب الجريمة كقتل الناشط نزار بنات، والاعتداء على الشخصية الوطنية ناصر الدين الشاعر.

وتعي السلطة جيدًا، وإن كانت لا تزال تُكابر أمام الانصياع لمطالب النقابات، أن ما تقوم به النقابات من إضرابات يعبر عن المِزاج العام في الضفة، وحالة الكره للسلطة بكل مكوناته، وأن ما يجري قد يكون مقدمة لحالة من العصيان المدني الذي تقوده النقابات، وبالمناسبة هي تستطيع فعل ذلك.

وحول ذلك، قال الباحث القانوني ماجد العاروري إن الخطوات الاحتجاجية التي باشرت بها نقابة المحامين واعلنت الاستمرار بها خطوات تتجاوز المستوى المعهود التي سارت عليها المجالس السابقة.

وقال العاروري في منشورٍ له عبر "فيس بوك" فيما يتعلق بالمسيرة التي جرت باتجاه المقاطعة، والاعتصام في مقار المحاكم، وبحث فرص تحول المحامين إلى سجل غير المزاولين، خطوات في باطنها تؤسس لعصيان مدني رافض لاستمرار غصدار التشريعات بقرار بقانون، ورافض لاستمرار تغيب المجلس التشريعي بشكل قسري".

وأضاف "العاروري" " هذه التحركات التي قد يرافقها تحركات اجتماعية وشعبية ضد الغلاء وحرمان الفلسطينيين من المشاركة الشعبية، وغفراغ المؤسسات الرسمية من مضمونها، ستكون أبرز تحد يواجه القيادة السياسية الفلسطينية، وتعنت القيادة وتأخرها في الاستجابة لمطالب نقابة المحامين وكبح جماح الغلاء والامتناع عن الدعوة لإجراء انتخابات عامة، قد يدخل الجميع مرحلة لا تحكمها ذات قواعد اللعبة المعهودة، وبالتالي تبقى النتائج مجهولة."

ويتابع الاحتلال (الإسرائيلي) ودوائر صنع القرار فيه، ما يجري بالضفة عن كثب، ولطالما تحدثت عن ضعف عام يصيب السلطة في مفاصلها، قد يدفع بها إلى الانهيار، ما دفعها إلى استدعاء شخص حسين الشيخ ليكون بديلا عن عباس في حال تغيبه قسرا أو رغبةً منه، في حين أن مجرد الحديث عنه ضمن التكهنات والتوقعات، يلقى رفضا واسعا في الشارع الفلسطينية مع الدعوات لضرورة ملء الفراغ بالطريقة الدستورية الصحيحة.

وما يكبل يد السلطة للتعامل الخشن مع إضرابات النقابات، أن جزءًا أساسيًا من تركيبتها هم من كوادر حركة فتح، إلا أن المطالب العادلة للمنتمين لهذه النقابات، تجبرهم على مسايرتها، والسعي لتحقيقها، في حين تسعى السلطة دائما للالتفاف على المطالب من خلال حلول مؤقتة ما تلبث أن تتراجع عنها.

ويشهد على ذلك، معاودة الإضرابات مجددا في كثير من النقابات، بعد فشل الحلول مع السلطة وكذلك الوساطات التي تتدخل، خصوصا في إضرابات تمس عصب الحياة في الضفة كالنقل العام والأطباء والتمريض وسائقي الإسعاف في جمعية الهلال الأحمر، ومؤخرا نقابتا المحامين والمعلمين.

وما يقوي الإضرابات القائمة في الضفة، أنها ليست حزبية أو تنظيمية بتاتا، وإنما قناعات الكوادر في هذه النقابات، تجمعت مع بعضها في مواجهة الصلف التي تقوم به السلطة اتجاه الجميع في الضفة، عدا المستفيدين منها بشكل مباشر وجيد.

وعلى إثر ما سبق، فإن السلطة وقيادتها باتت بين نارين، إما السماح للنقابات بأخذ مساحتها في الإضرابات ورفض الواقع، وهذا يشجع الآخرين للمشاركة والتفاعل، ويؤسس لمرحلة جديدة لرفض سياسات السلطة، وهذا تأثيره سلبي ومباشر على استقرار السلطة واستمرار أداء عملها.

والنار الأخرى في حال الاعتداء على النقابات ووقف الإضرابات وبرامج العصيان بالقوة، وهذا يزيد من حدة الاحتقان الموجودة أصلا في الضفة، ويدفع بالجمهور الداعم للنقابات في مطالبها، للنزول إلى الشارع مجددًا، كما حصل إبان قتل الناشط بنات، ولكن في هذه المرة قد تكون موجة من المظاهرات التي لن تنتهي بدون إنجاز ملموس.

وفي نهاية المطاف، فإن السلطة لكي تخرج من المأزق التي باتت فيه حاليا، باتت مجبرة على تقديم تنازلات، لتصحيح الأخطاء التي أصابت المنظومة القضائية والتشريعية والتنفيذية، والالتزام بالحوار الوطني مع الجميع من أجل الخروج من الأزمة التي وضعت الشارع الفلسطيني فيه، نتاج سياساتها الخاطئة، والقرارات المبنية على مصالح شخصية، ووفقا لطلبات الاحتلال وغيره من الداعمين للسلطة.