"منام ميت".. كيف أصبح غسّال الموتى حاكما للجزائر؟

منام ميت
منام ميت

غزة-الرسالة نت

بعد الاهتمام التاريخي المتزايد بموضوع الجزائر في الحقبة العثمانية، وما تعلق به من أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، توجهت بوصلة كثير من الروائيين الجزائريين للاشتغال على المرحلة الزمنية نفسها، يطرقون أبواب الأحداث التاريخية التي تفتح لهم عوالم لا حدود لها، يتعايش الخيال والحقيقة فيها جنبا إلى جنب فوق أرض سردية واحدة.

طرق روائيون جزائريون أبواب الحقبة العثمانية، وأنتجوا نصوصا حلّقت في عالم الخيال الواقعي، مثل ما فعل عبد الوهاب عيساوي في "الديوان الإسبرطي" التي فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية في عام 2020، وبلقاسم مغزوشن في "مؤذن المحروسة يؤذن في ليفورنة" التي فازت بجائزة الروائي الجزائري الطاهر وطار في طبعتها الأولى في عام 2017، ونبيل بن علي الذي فازت روايته "جاسوس الجزائر العاصمة" المنشورة بالفرنسية بجائزة "الأقلام الفرنكفونية" في عام 2017.

على خطى السابقين، يقتحم الكاتب والصحفي الجزائري موهوب رفيق عالم الرواية بباكورة إبداعاته السردية "منام ميت" (دار ماستر للنشر والتوزيع-مصر، 2022، 134 صفحة)، التي يقص علينا فيها ملحمة أحد الدايات الذين حكموا الجزائر في ظروف استثنائية جعلت من غسال للموتى حاكما لأحد أقوى البلدان حينئذ في حوض البحر الأبيض المتوسط.

كيف أصبح رجل خامل الذكر، لا يجد قوت يومه، غسّالا للموتى في قصر الداي، قبل أن يتحول تحت غطاء تسوية سياسية إلى رجل الجزائر الأول، "دايها" وحاكمها، الذي يخوض الحروب وتُرسل إليه الوفود؟ وهل كان ليهود الجزائر في ذلك الوقت فضل في توليته وتنصيبه؟ وما علاقة ذلك كله بكنز شارلكان الذي قيل إنه خلّفه وراءه بعدما انهزم وجيوشه على سواحل الجزائر؟

ربما يبقى ذلك لغزا لا يمكن حتى لبطل الرواية نفسه الإجابة عنه "أنا مجهول النسب، الوضيع الذي ولد في الحمام، غسال الموتى، السارق، المارق، سأجلس غدا في كرسي الداي، وبعدئذ سأرسل هدية لأجلب فرمان التعيين من سلطان الدنيا والدين الخليفة السلطان عبد الحميد، وسيكون بيدي مفتاح خزنة الداي، الخزنة التي أقضّت مضاجع الملوك والسلاطين والحكام والأمراء في أوروبا وفي كل أصقاع العالم ستكون بين يدي، وأنا الذي جئت من نزوة عابرة لبحّار ترك زوجته تلد في حمام قذر، عملت حمالا، وجاسوسا، وتكبّدت السجن في الكدية وسجن السلطان لأصبح أنا السلطان.. ألم يجدوا أحسن مني في هذه البلاد التي أنجبت العظماء؟".

تناقضات

تقودنا رواية "منام ميّت" إلى جزائر القرن الـ19، قبيل بداية الاحتلال الفرنسي بنحو 20 عاما، وتسلط الضوء على حياة علي بن محمد، الفقير الذي لا يعرفه أحد، ومن خلاله على الحياة الاجتماعية والسياسية للجزائريين في الحقبة نفسها، في الإيالة الجزائرية التي كانت تترنح بين مشهدين متناقضين: مشهد الدولة العسكرية القوية التي يحسب لها جيرانها في حوض البحر الأبيض المتوسط ألف حساب، ومشهد الدولة الهشّة داخليا بسبب صراعات الحكم بين وحدات الجيش الانكشاري والدايات وحروب الولاءات داخل البلد.

تبدأ الرواية بسرد منام علي الغسّال "بدءا من طفولتي التي قضيتها في قسنطينة، هناك تربيت في كوخ خالتي الطاووس، مربيتي، هربا من وباء الطاعون الذي حلّ بمدينة الجزائر، كانت أجساد الموتى العراة تتراءى لي من بعيد كأنها حيوانات مفترسة تريد الانقضاض علي وتطاردني في أزقة ضيقة، وكان هناك صندوق كبير كأنه كنز، فلما فتحته وجدت فيه جماجم بشرية وحيوانية وهياكل عظمية، وطواحين ورمادا أسود ورائحة عفن منبعثة من جثث جنود دفنتهم بالجملة في عام المجاعة. وعند الاستيقاظ المفجع بدأت أتحسّس جسدي المتعب من غسل الموتى وحفر القبور، حتى إني أحسست بألم شديد في رقبتي، ولم أكن أدري أن الأقدار حكمت علي بأن يمر السيف من مكان ألمي فيرديني قتيلا في قصر السلطان بالجنينة بأعالي العاصمة، ويعلق رأسي في المكان الذي عُلّق فيه رأس سيدي منصور المحقور في قاع السور".

ما الذي قاد الروائي موهوب رفيق إلى شخصية "علي الغسال" الذي اعتلى عرش الجزائر بصفته دايًا بضعة أشهر بين عامي 1808 و1809؟

وفقا للروائي نفسه في تصريحات خاصة بالجزيرة نت، أوضح أن "كل من يقرأ عن شخصية مثل علي الغسال حتما ستشدّه الدهشة إليه، لأنها شخصية مملوءة بالتناقضات، وهي سيرة تطبعها قفزات قدرية، تذكرنا بعبثية الحياة؛ إنسان بدأ حياته في قاع المجتمع، لا يملك منها غير ما يسرقه من غيره، لتنتهي به الأقدار على قمة دولة حاكما لها قبل أن يموت مقتولا".

وماذا عن هذه الحقبة الزمنية؟ ما الذي قاد الكاتب للغوص الإبداعي في ثناياها؟

في رأي رفيق، فإن هذه الحقبة "تحمل كل مفاتيح الفهم لأسباب الاحتلال الفرنسي ومحفزاته"، وهي للمفارقة لا "تحظى باكتراث شعبي وسياسي، فالمدرسة خالية تماما من تدريس هذه الحقبة تدريسا نقديا يجعل العقل الجزائري يستوعب أبعاد تاريخه الممتلئ بالأحداث والقفزات، وبذلك يستطيع أن يكون شخصية صريحة مع نفسها ويتقبل التنوع الموروث داخل نسيجه المجتمعي"، قبل أن يضيف "الجزائري عندما تكلمه عن الحقبة العثمانية فكأنك تكلمه عن جغرافية أخرى انقطع الاتصال العاطفي والمنطقي بينه وبينها، لذا أرى أن الوقت حان لنلتفت بالدراسة والنقد إلى تلك الحقبة الطويلة من تاريخ الجزائر إذا أراد الجزائريون استيعاب أزمات حاضرهم وتحديات مستقبلهم".

تنكش الرواية في تاريخ المرحلة القريبة من الاحتلال الفرنسي، مُبرزة بعض تناقضاتها السياسية والمجتمعية، وتحاول أن تقرأ، مازجة الواقع والخيال، دور اليهود الذين أحكموا قبضتهم على حركة رؤوس الأموال في إيالة الجزائر، وهو ما مهد لهم طريق الإمساك ببعض خيوط اللعبة السياسية وشخصياتها، وكيف كان نفوذهم يتعاظم قبل أن يتحطم على أعتاب انقلاب سياسي أو سخط شعبي.

رفيق لا ينسى التذكير بكونه متخصصا أساسا في الدراسات التاريخية، وهو يقول إنه قبل مغامرته الإبداعية قام "بأبحاث كثيرة عن الحقبة التي تدور فيها أحداث الرواية، من الحالة الاجتماعية والثقافية كطبيعة النسيج الاجتماعي ومظاهره، كالاحتفالات والعادات في الأكل واللباس والمعتقدات أيضا".

بعد ذلك -يتابع رفيق القول- "بحثت في الحالة السياسية التي كشفت لي كثيرا من الأسرار عن نظام كان يظهر بالقوة اللازمة لكنه كان أكثر هشاشة، كما بحثت أيضا في التركيبة الاجتماعية للجزائر في تلك الحقبة ودور اليهود في حالة انعدام الاستقرار السياسي التي كان يشهدها النظام، وكثرة الانقلابات والخيانات، وغير ذلك من العوامل التي جعلت الجزائر فريسة سهلة لفرنسا".

وما الذي يريده الروائي موهوب رفيق من القرّاء الذين يقرؤون نصه الإبداعي؟ ها هو يجيبنا بالقول "روايتي لا يمكنني أن أقول عنها أكثر من أنها نص يدعو القارئ للتأمل في حقبة تاريخية منقضية، لكن آثارها ما زالت بيننا".

المصدر : الجزيرة