الوريث الوريث

هل الاحتلال عرض أم مرض؟!

طارق النجار
طارق النجار

طارق النجار

 تُمثل فلسطين المباركة لدى العرب المسلمين تاريخ وعقيدة؛ ومع ذلك ما زلات هذه البقعة المباركة من الأرض العربية تئن تحت وطأة الاحتلال لأكثر من مئة عام بما تحمله من مآسي وتهجير وقتل ودمار؛ ففي وسط المأساة العربية والإسلامية التي أبرز عنوان لها احتلال فلسطين، ثم تشرذم الأمة وتناحرها حول أي قضية يمكن أن يختلف عليها اثنان؛ عقدية كانت أو سياسية؛ يقفز مباشرة إلى الأذهان السؤال الكبير؛ هل بسبب ضعفنا وذهاب ريحنا تسلط الاحتلال علينا؟ فيكون ضعفنا هو المرض والاحتلال أحد أعرض هذا المرض؟ أم أن الاحتلال هو الذي فرّقنا وأوضع الخلافات والتناحر بيننا؟

 بكل تأكيد لم تستطع بريطانيا ثم إسرائيل الاستقرار في هذه المنطقة لولا ضعفا ومرضنا، والشواهد على ذلك كثيرة؛ حتى إذا استقر الأمر للاحتلال بدأ في العمل على زيادة هذه الخلافات في محاولة منه لدمج نفسه في إقليم متعارض لا يجمعه جامع فيصبح وهو (أي الاحتلال) أحد هذه المكونات المتعارضة الموجدة في المنطقة؛ وكأنه ليس جسما غريبا داخل جسم عربي موحد؛ وبذلك يكون ضعف وهوان الأمة مرضا في حد ذاته تسبب في احتلال فلسطين، ثم عمل هذا العرض على استفحال هذا المرض.

 التفرّق العربي والإسلامي أوقع الفلسطينيين في ورطة لم يستطيعوا أن يجدوا مقاربة مناسبة للخروج منها؛ فقد أصبح من الصعب مقاومة الاحتلال دون الانخراط في تباينات الأمة؛ فتحصيل المقاومة سلاحها من إيران يُغضب دولا وازنة في المنطقة كالسعودية ودول الخليج نظرا للصراع الطائفي في المنطقة؛ فإذا تقاربت مع السعودية والأمارات ربما أغضبت اليمن نظرا للحرب الدائرة هناك؛ وإذا تقاربت مع الجزائر غضبت المغرب وهكذا؛ فمتى تنتهي هذه المهازل البينية؟

 إعادة التموضع السياسي الذي أعقب إصدار حماس وثيقتها السياسية في العام 2017؛ جعلها تقدم على مقاربة دقيقة للتعامل مع العالم العربي تتمثل في الانفتاح على جميع مكونات الأمة بغض الطرف على العلاقات البينية؛ ومن هذه المكونات الدولة السورية، الأمر الذي فتح النار عليها من قبل شخصيات عربية وإسلامية؛ أوصل بعضهم هذه الخطوة حد الخيانة و المتاجرة بالمقاومة، وهذا النقد الحاد بالطبع عرض من أعراض مرض هذه الأمة، فكيف لأمة نخرتها الفرقة على مدار مئة عام أن تُجمع على خطوة سياسية محضة وليست عقدية كخطوة عودة العلاقات بين حماس وسوريا بحجة الدماء الكثيرة التي سالت في سوريا؟ فهل رأينا هذا الانتقاد لزيارة حماس لروسيا وقد فعلت ما فعلت في الشيشان ومن قبله أفغانستان؟ وهل من الممكن أن نرى هذه الانتقادات لو عادت العلاقات لمجاريها بين حماس والسعودية لما أحدثته الحرب في اليمن؟ وكذلك باقي الدول العربية التي أوغلت في دماء بعضها البعض أو في دماء مواطنيها؟ 

 أعتقد أن حماس ليست مضطرة لسرد تاريخها النضالي لتدافع عن نفسها باتخاذ قرار إعادة علاقتها بسوريا؛ لتثبت للمتشكك بصحة بوصلتها، فصدى معركة سيف القدس مازال يتردد في الأفق، ودماء قادتها مازال على الأرض والجدران، ولكن الحركة اتخذت خطوة للأمام بمطالبة الأمة بالتوقف عن المهازل البينية، وأنّ تنخرط الأمة في حوار صريح يخرجها من حالة التيه هذه؛ فهذا لا يعني أن حماس تستخف بالدماء التي سالت، ولكنها أرادت أن تشعل شمعة وسط هذا الظلام لتقول للأمة "تعالوا نعالج مرضنا المتمثل في التفرق لنستطيع التغلب على العرض المتمثل في الاحتلال".