لم تكن الزراعة في قطاع غزة قبل حرب الإبادة مجرد نشاط إنتاجي محدود، بل كانت واحدة من آخر ركائز الصمود الاقتصادي في منطقة محاصرة تعيش أصلا تحت ضغط سياسي ومعيشي مزمن.
ولهذا، فإن ما أصاب هذا القطاع خلال الحرب لا يمكن قراءته فقط باعتباره دمارا للأرض أو خسارة لموسم زراعي، بل باعتباره ضربة اقتصادية طويلة الأمد أصابت أحد أهم مصادر الأمن الغذائي والدخل وفرص العمل في القطاع.
في عام 2022، بلغت قيمة الإنتاج الزراعي في غزة نحو 575 مليون دولار، وشكّل القطاع الزراعي قرابة 11% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما وفّر العمل لنحو 55 ألف مواطن بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
هذه الأرقام تعني أن الزراعة لم تكن قطاعا هامشيا، بل كانت مكونا أساسيا في البنية الاقتصادية للقطاع، كما أن غزة كانت قد حققت قبل الحرب اكتفاءً ذاتيا بنسبة 115% من الخضروات وكانت تسوق جزءا من إنتاجها إلى الضفة الغربية، وتصدر يوميا ما يصل إلى 300 طن من الخضار، بعائد يومي للمزارعين قارب مليون شيكل.
لكن ما بعد الحرب يكشف أن الخسارة لم تقتصر على توقف الإنتاج بل طالت القدرة على استعادته أصلا، فقد انهار الإنتاج الزراعي إلى أقل من 10% من مستواه السابق، فيما تجاوزت خسائر المزارعين المباشرة 500 مليون دولار.
والأخطر من ذلك أن التدمير لم يكن ميكانيكيا فقط، بل أصاب التربة نفسها بالحرق والتجريف والتلوث ما جعل مساحات واسعة من الأرض الزراعية بحاجة إلى سنوات من التعافي قبل أن تعود صالحة للإنتاج.
وهذا يعني أن غزة لا تواجه فقط أزمة غذاء حالية بل أزمة إنتاج مستقبلية، فالفجوة الغذائية التي تجاوزت 90% لا تعكس فقط نقصا في المعروض، بل انهيارا في قدرة السوق المحلية على تغطية احتياجاتها الأساسية.
وبدل أن تكون الخضروات منتجا محليا متاحا، باتت اليوم سلعة مستوردة باهظة الثمن ما يضغط على الأسر ويعمق التبعية الغذائية.
ولعل ما تحتاجه غزة اليوم ليس مجرد استئناف الزراعة بل خطة إنعاش زراعي شاملة تبدأ بإعادة تأهيل التربة وفتح المجال أمام المزارعين للعودة إلى أراضيهم وتوفير المياه والبذور والمدخلات الزراعية، لأن إعادة بناء الاقتصاد لا تبدأ فقط من الأسمنت، بل من استعادة الأرض لوظيفتها الإنتاجية.
ومن دون ذلك، ستبقى كلفة الحرب ممتدة لسنوات، لا في الخراب الظاهر فقط، بل في الطعام والعمل والاستقلال الاقتصادي.