مقال: إلى أبو عمار.. بعد ثمانية عشر عاما...دعني أخبرك

بقلم: سميرة نصار

ثمانية عشر عاما لقتلك ورحيلك يا سيادة الرئيس، غادرت حاملا في جيوب كفنك الكثير من الاسرار التي أحاطت بالساحة السياسية الفلسطينية وخاصة في الآونة الأخيرة التي عشتها وسط مقارعة الضغوطات الدولية بعد قمة كامب ديفيد 2000 من جهة ومقارعة غطرسة حاشيتك من جهة أخرى.

يا سيادة الرئيس ثمانية عشر عاما عصفت رياح التغيير بقوة على القضية الفلسطينية وتبدلت الحالة الوطنية، تفاصيل عديدة دعني أخبرك ببعضها:

خلفك الرئيس محمود عباس بعد هينة من رحيلك لرئاسة السلطة عبر انتخابات رئاسية في عام 2005

فقد جهزوه قبل موتك وانت كنت تعلم ذلك يوم أن فرضوه عليك رئيسا للوزراء.

في عام 2006 حصلت انتخابات تشريعية ولأول مرة شاركت فيها حركة حماس والتي تعد الشريك الفلسطيني الأكبر في هذه العملية وأجريت الانتخابات في أجواء اهتمام فلسطيني وعربي ودولي ورقابة قانونية وحقوقية أيضا لتفوز حركة حماس بالأغلبية ولكن الحال كان أغبرا بالنسبة لحركة فتح فتم الانقلاب على النتائج ولم يتم الاعتراف بها فسقطت العملية الشرعية التي نادى بها الجميع

في عام 2007 حسمت حركة حماس التطاول على نتائج الانتخابات فسيطرت على معاقل الحياة السياسية والعسكرية في قطاع غزة فانقسم الوطن.

وبدأت معاناة أهل غزة يا سيادة الرئيس في حصار بلغت مراحله من الطول والقسوة ما بلغت، حصار مسك زمام عقاله الاحتلال والجارة مصر والعالم الدولي والدول المانحة وكذلك السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس التي تفننت في منع صنوف الحياة عن أهل غزة ولو استطاعت منع الاكسجين ما تخلت ، حصار بات هلاكا لكل جميل في الحياة ،فقر وبطالة وأزمة كهرباء و مشكلات متشابكة ومتلاحقة ، حتى ان الشهداء أصابهم من الأذى ما أصابهم فبدلا من وضع ذوي الشهداء على الرؤوس مُنعت عن شهداء غزة مستحقاتهم المالية التي تضمن لذويهم العيش في كرامة

ناهيك عن أزمات الموظفين والعاملين المفتعلة في السلكي المدني والعسكري

ووسط هذا الحصار المقيت يا سيادة الرئيس نمت الترسانة العسكرية للمقاومة الفلسطينية التي سمحت أنت في بكورة انتفاضة الأقصى عام 2000 بإعادة بناءها حينما نزعت عن معصمك سوار التنسيق الأمني فكانت الشرارة التي أعادت المقاومين الي قلاعهم، بعد القضاء على قدراتهم وامكانياتهم وزجهم في السجون بعد اتفاقية أوسلوا فتوحدت البندقية الفلسطينية صوب المحتل ودُق المسمار الأول حينها في نعشك.

تشكلت يا سيادة الرئيس جبهة عمل عسكري سُميت بالغرفة المشتركة لتجمع شتى القوى العسكرية الفلسطينية تحت لواء واحد وقرار واحد وصوت واحد ونفس واحد وبندقية واحدة كانت بذرتها في 2006 بوفاق عسكري بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي ومن ثم اكتمل المشروع لتشمل الاجنحة العسكرية للفصائل الأخرى وعددها اثنى عشر جناحا في عام 2018 فمثلت ضغطا أكبر على الاحتلال.

في عام 2014 انقسمت حركة فتح على نفسها وسط خلافات بين الرئيس محمود عباس ومحمد دحلان وصلت الى اقصاء الأخير من المشهد الفلسطيني واقالته، فأعلن دحلان عن تأسيس التيار الإصلاحي الديمقراطي بدعم مع بعض البلدان العربية والتي لها مصالح في ذلك

في نوفمبر / تشرين الثاني لعام 2012 حصلت فلسطين على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، في خطوة تعد انتصارا دبلوماسيا ومكسبا قانونيا للفلسطينيين ولكن المؤسسة الرئاسية لم تستثمر هذا المكسب البتة قانونيا وحقوقيا وسط انتهاكات جمة لحقوقنا من قبل المحتل، بل زادت ترهلا سياسيا ودبلوماسيا.

سيطر الرئيس محمود عباس على منظمة التحرير الفلسطينية بكل مكوناتها فهو رئيس السلطة الوطنية ورئيس منظمة التحرير فكان يقطع الطريق على انضمام الفصائل تحت جناحها، يرجف رجفا حينما يأتي الحديث عن انتخابات مجلس وطني وتمثيل الكل الفلسطيني فأتقن الاقصاء

وأخيرا بعد ما عطل السلطة التشريعية أصدر مرسوما بتشكيل مجلس أعلى للقضاء برئاسته فقد أعلن الهيمنة الكاملة والتغول على السلطة القضائية وهذا مخالف لكل القوانين ناهيك عن أن القرار جاء بعد تحركات الجزائر للم الشمل الفلسطيني، والتي بات الحلم البعيد للفلسطينيين بعد وضع العراقيل في كل مرة من قبل الرئيس، فالاحتلال لا يسمح بذلك فهو يعمل على قطع جذور حركة حماس من المشهد الفلسطيني

دعني أخبرك يا سيادة الرئيس أن أوسلوا ماتت في ارضها لم يبقى منها سوى ذاك التنسيق وسلطة ضعيفة لا تملك ان تدافع عن نفسها والعيب أننا نسمع رئيسها على المنابر الدولية يتوسل ويعلن عوزه الي حماية

أما سرطان الاستيطان يزيد في الضفة المحتلة فسرعة بناء الثكنات الاستيطانية كسرعة السكين في عجين أمي رحمها الله، فبعد تبني مجلس الامن قرار 2334 في عام 2016 والذي نص على أن "المستوطنات انتهاكا صارخا للقانون الدولي" ارتفع عدد المستوطنين في الضفة والقدس الشرقية بنسبة 12 % وهذه إحصائية العام الفائت في ديسمبر/ كانون الأول 2021

فقد أصبحت مناطق الضفة الثلاثة مباحة للاحتلال متى أراد، فأجهزة الامن الفلسطينية تيسر له ما جاء لأجله

ولكن هناك بعضا من المقاومين الشرفاء، دعني أخبرك عنهم يا سيادة الرئيس هناك انتفاضة وثورة خرجت من مخيمات الثورة العتيقة مخيم جنين ونابلس وغيرهما فجذور المقاومة في جدران المخيم وتحت عتبات البيوت فانطلقت بالعدوى وكان عرين الأسود، رسموا لنا لوحات مفادها "نحن بخير لا التسويات تغيرنا ولا التنسيق الأمني يبدل حال أهلنا" فشاهدنا أيقونات للأجيال كوالد رعد خازم وام إبراهيم النابلسي وشيماء زوجة تامر الكيلاني

ما نخشاه اعتقال هؤلاء لدى أجهزة السلطة فهي لا تحب الوجوه الثائرة وقد فعلتها سابقا مع رفيق أبطال العرين مصعب اشتيه وغيره.

الحديث يطول يا سيادة الرئيس

وهذه أبرز ما طاف على الحالة الفلسطينية من وجهة نظري خلال الثمانية عشر عاما

الرحمات لروحك ولشهداء فلسطين.