يُظهر القصف الإسرائيلي الواسع على لبنان، رغم اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، أن المنطقة دخلت مرحلة “ما بعد الاتفاقات الهشة”، حيث لم تعد التفاهمات كافية لضبط سلوك الأطراف المتعددة في الصراع.
أولاً: صراع تحت سقف التهدئة
ما يجري لا يعكس انهيار الاتفاق بقدر ما يعكس تحوّله إلى “غطاء سياسي” لصراع غير مباشر. فالاتفاق الأمريكي–الإيراني يبدو أنه يجمّد المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران
لكنه لا يضبط سلوك إسرائيل في الساحات الأخرى.
هذا يخلق معادلة جديدة: تهدئة في المركز، وتصعيد في الأطراف، خصوصاً في لبنان الذي يُعد ساحة تماس مباشرة مع حزب الله.
ثانياً: الحسابات الإسرائيلية العميقة
يتجاوز السلوك الإسرائيلي مجرد رد فعل ميداني، ليعكس أهدافاً استراتيجية أوسع:
إعادة تعريف قواعد الاشتباك: حيث تسعى إسرائيل لفرض واقع مفاده أن أي اتفاق مع إيران لا يشمل تلقائياً الجبهة اللبنانية.
كسر “وحدة الساحات”:فمنذ الحرب في قطاع غزة، عملت إسرائيل على تفكيك الترابط بين الجبهات، وتريد منع عودته كمعادلة ردع.
إعادة ترميم الردع: فبعد جولات قتال لم تحقق حسمًا واضحًا أو نصرا مأمول، تحاول إسرائيل إثبات قدرتها على ضرب أعدائها، خاصة أمام جمهورها الداخلي وعلى بعد شهور قليلة من الانتخابات أكتوبر المقبل.
ضغط غير مباشر على طهران:
عبر استهداف لبنان، تسعى إسرائيل لدفع إيران إلى خيارين صعبين:
إما الرد وبالتالي خرق الاتفاق، أو ضبط النفس وخسارة أوراق نفوذها.
ثالثاً: الموقف الإيراني
تصريحات إبراهيم رضائي حول ربط الجبهات وتهديد مضيق هرمز تعكس توجهاً تصعيدياً، لكن القرار الإيراني تحكمه اعتبارات دقيقة:
ـ الحفاظ على مكاسب الاتفاق مع واشنطن؟
ـ تجنب حرب شاملة قد تكون مكلفة.
ـ عدم الظهور بمظهر العاجز أمام حلفائه.
لذلك، من المرجح أن تميل طهران إلى رد محسوب وغير مباشر، عبر حلفائها أو أدوات ضغط اقتصادية وأمنية.