الرسالة سبورت الرسالة سبورت

بوتين بحاجة إلى مخرج في أوكرانيا

محمود علوش.
محمود علوش.

محمود علوش

الشيء الوحيد الذي برع فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حتى الآن في حربه على أوكرانيا هو التراجع ومحاولة التكيّف مع واقع مغاير تمامًا لتصوّراته المُسبقة التي كانت في معظمها خاطئة. عندما تكون عاجزا عن فعل كل ما تريد وتخسر بشكل متزايد، فإنه من الحكمة التراجع لأجل الحدّ من الخسائر. في حالة بوتين، لا يبدو أن التراجع نتيجة حكمة مُكتسبة بالفطرة بقدر ما أن العجز أسهم في فرض قدر قليل منها.

لم يستفد بوتين -كما ينبغي- من هذه الأخطاء لتصويب المسار وتحقيق الحد الأدنى من المكاسب حتى عندما قرر أن يكون واقعيًا بعض الشيء بتقليص قائمة الأهداف وحصرها في السيطرة على إقليم دونباس

لقد أُجبرت روسيا للتو على الانسحاب من مدينة خيرسون ذات الأهمية الإستراتيجية العالية. ورغم أن الانسحاب كان حتميًا بفعل التحولات العسكرية للصراع التي لم تعد ملائمة لموسكو للمضي في الحرب بالطريقة التي تُريدها، فإن التخلي عن خيرسون -وإن كان مؤقتًا كما يقول الروس- بدا مفاجئًا ولم تكن كييف تتوقعه بهذه السرعة حتى في أفضل الأحوال.

فعندما أعلنت وزارة الدفاع الروسية بدء الانسحاب، شكك وزير الدفاع الأوكراني في الإعلان وتوقّع أن يستغرق أسبوعًا على الأقل، لكن في اليوم نفسه أكملت موسكو الانسحاب ودخلت القوات الأوكرانية المدينة. ومع ذلك، فإن القادة الأوكرانيين متشككون للغاية في دوافع الانسحاب الروسي من خيرسون، ويعتقدون أنّه ربما يكون مكيدة عسكرية لجرّ الجيش الأوكراني إلى المصيدة.

إذا كانت هناك نتيجة واضحة يُمكن استخلاصها من هذا التحول، فهي أن الهجوم الأوكراني المضاد شرقي وجنوب شرقي البلاد يؤتي ثماره ويعمل على تغيير قواعد الصراع لصالح كييف. بغض النظر عن أن هذه هي دوافع التخلي عن خيرسون وأهدافها، فإن الحقيقة الواضحة الآن أن مأزق بوتين في أوكرانيا يتعمّق بشكل يصعب الخروج منه بأقل الأضرار مع مرور الوقت.

كانت الأخطاء الكارثية التي ارتكبها منذ اندلاع الصراع كافية للاعتقاد بأن الحرب تسير في طريق مسدود. لم يستفد بوتين -كما ينبغي- من هذه الأخطاء لتصويب المسار وتحقيق الحد الأدنى من المكاسب حتى عندما قرر أن يكون واقعيًا بعض الشيء بتقليص قائمة الأهداف وحصرها في السيطرة على إقليم دونباس، ثم ضم الأقاليم الأربعة: لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزاباروجيا.

هنا يظهر القدر القليل من الحكمة الذي أتحدث عنه. كان قرار الضم مُتسرعًا للغاية ويتناقض مع قدرة روسيا على فرضه كأمر واقع، أقله حتى الآن. كما نبع بصورة رئيسية من حاجة بوتين إلى الإظهار للروس أنه يكسب الحرب، لكنّه كشف بذلك المزيد من نقاط الضعف الروسية.

على عكس الانسحاب من شمال كييف في بدايات الصراع، الذي سوّقته موسكو حينها على أنه مبادرة حسنة لإفساح المجال أمام خيار السلام، فإن الانسحاب من خيرسون لا يُمكن تسويقه على هذا النحو؛ فلم يُجبر بوتين على الانسحاب من منطقة أوكرانية بل عن منطقة روسية، وفق معاييره. ومع ذلك، يجب الحذر في استنتاج أن بوتين لم يعد يرى إمكانية للفوز في الحرب.

لقد فرض مؤخرًا التعبئة الجزئية للجيش ويأمل أن يساعده إرسال 300 ألف مقاتل جديد إلى الجبهة في عكس المسار، وزاد من تلميحه الضمني باستخدام الأسلحة النووية للدفاع عن الأقاليم الأربعة، لكنه بدا مؤخرا مدركا لمخاطر التصعيد النووي في الصراع. أما أوكرانيا، فليس لديها المزيد لتخسره في الحرب وتقاتل من أجل الحفاظ على وجودها كدولة، لكن العوامل التي تتسبب في هذا الإخفاق الروسي تتمثل بصورة رئيسية في الدعم العسكري الغربي لكييف.

الواقعية تفترض أن التنازل للحد من الخسائر مكسب أيضا، في حين أن مشكلة بوتين أنه لم يترك لنفسه خيارات مريحة للخروج بأقل الخسائر

يدرك بوتين أنه يقاتل الغرب الجماعي وليس أوكرانيا وحدها، والقدر القليل من الحكمة يفترض أن ضخ المزيد من الموارد العسكرية في ساحات القتال لن يساعده في عكس الدفة. إذا ساعد الغرب بوتين في تعزيز قدر الحكمة لديه، فإنه قد يصبح أكثر قناعة بالفوائد المؤكدة للتفاوض على الفوائد غير المضمونة للمضي قدما في الحرب.

يمكن أن تتحول انتكاسة روسيا في خيرسون إلى فرصة لتعويم خيار المفاوضات في كل من موسكو وكييف والغرب. منذ اللحظة الأولى التي اكتشف فيها بوتين أن الحرب لا يمكن كسبها بالطريقة التي يريدها، سعى للبحث عن خيارات أخرى تحد من تداعيات الانتكاسات العسكرية من خلال تقليص قائمة الأهداف وتصاعد الحديث الروسي عن خيار السلام. لكن ما  يعجز في تجنبه هو أن العجز العسكري يجعله أكثر ضعفا على طاولة المفاوضات.

ما يجمع روسيا وأوكرانيا والغرب حاليًا هو أن الحرب تنهكهم جميعا ولن تنتهي إلا بالتسوية. وإذا كان خيار المفاوضات قائما، فإنه لن يكتسب زخما إذا لم ينظر إليه في الكرملين على أنه أفضل الخيارات السيئة. يمكن للغرب أن يلعب دورا في تشجيع بوتين على المفاوضات بإظهار استعداده لتأمين مخرج يحفظ ماء وجهه.

 

الواقعية تفترض أن التنازل للحد من الخسائر مكسب أيضا، في حين أن مشكلة بوتين أنه لم يترك لنفسه خيارات مريحة للخروج بأقل الخسائر. لقد أضرت الحرب على نحو كبير بصورة بوتين بوصفه زعيما قويا قادرا على استعادة مكانة روسيا، وأضحت موضع شك لدى كثير من الروس، بمن فيهم مؤيدو الحرب.

ساعدت الأهداف الغامضة في الحرب بوتين على تجنب وضع معايير مبكرة للربح والهزيمة، لكنه باضطراره إلى الانسحاب من شمال كييف وخسارة خاركيف والتنازل عن خيرسون، لم يعد قادرا على تجاهل تحديد المعايير بوضوح. قد يبدو ذلك مؤشرا إيجابيًا على أن عنصر البراغماتية في موسكو في تزايد. سواء كان انسحاب خيرسون فخا عسكريا روسيا أو غير ذلك، فإن التكاليف المترتبة على محاولة روسيا استعادة السيطرة على خيرسون مستقبلًا لن تؤدي إلى سوى مزيد من إفساد الوضع على بوتين.

أرسل الرئيس الروسي مؤخرًا عدة مؤشرات على استعداده للتفاوض، ومنها التراجع عن التلويح الضمني باستخدام الأسلحة النووية، والانسحاب من خيرسون والعودة إلى اتفاقية الحبوب. من المؤكد أن موافقة روسيا على تمديد الاتفاقية التي تنتهي بنهاية هذا الأسبوع ستعطي رسالة إيجابية أخرى مشجعة. وتظل المعضلة الرئيسية في مسار السلام تكمن بشكل رئيسي في صعوبة فهم ما يريده بوتين من الحرب بشكل واضح، لكن ما لا يريده هو الهزيمة.

يشكل الوضع العسكري الراهن فرصة جدية لمنح أولوية للمفاوضات. ومن غير الواضح ما خطط روسيا المستقبلية في الصراع، لكن هذا الوضع يمنح كييف والغرب وسيلة لتعزيز قدر الحكمة في الكرملين. قد تحاول موسكو الحصول على اعتراف رسمي أوكراني بسيطرتها على بقية الأراضي التي تخضع لها في الشرق وعلى شبه جزيرة القرم مقابل التنازل عن خيرسون -بوصفها جزءا من روسيا- والتوقف عن استهداف البنية التحتية الحيوية الأوكرانية.

من المفهوم أن كييف ستقاوم مثل هذا الخيار، لكنها قد تجد لها مصلحة في التسوية إذا ما ضمنت لها العودة الجزئية للوضع الذي كان قائمًا قبل الغزو الروسي. سيبدو ذلك مؤلما على نحو خاص لبوتين، لكنه أفضل الخيارات السيئة. للوصول إلى التسوية، سيتعين على روسيا وأوكرانيا والغرب القيام بكثير من الخطوات المتبادلة لخفض التصعيد العسكري وخلق أرضية من الثقة. الشروط الدقيقة لأي تسوية تفاوضية تعتمد على ما يحدث في ساحة المعركة، وما يحدث حاليا لا يساعد روسيا بأي حال من الأحوال.